مجتمع

قدماء سائقي الطاكسيات بفاس على “باب الله”

سائقو الطاكسيات في مسيرة سابقة
بعضهم قضى 5 عقود في العمل وانتهى متسولا بين المحطات وفوضى القطاع ساهمت في استفحال أوضاع المهنيين

حول طاولة بمقهى يتوسط أجمل شوارع فاس، التفوا مرتشفين كؤوس سنوات ضياعهم وخيبة آمالهم. سحناتهم تدل على حقيقة واقعهم الذي لا يحسدون عليه. بجرأة كبيرة حكوا قصص تيههم وراء لقمة عيش لم تعد مستساغة، بعد أن لفظهم قطاع أفنوا فيه زهرة شبابهم. «نخوة» الرجال، ما تزال بين أحشائهم، ولو أبكاهم واقعهم، رغم أن «الرجال لا يبكون مهما ضاقت بهم السبل».هم أكثر من 30 فردا، قضوا عقودا من العمل في سياقة سيارات الأجرة، ليجدوا أنفسهم أول ضحايا القطاع، يجمعون «البقشيش» من التسول أو غسل سيارات زملائهم أو بيع السجائر بالتقسيط في أحسن الأحول. حالهم يبكي من لا ذرة رحمة في قلبه، في انتظار التفاتة رسمية تمتص آلامهم وتنتشلهم مما هم فيه من ضياع على قارعة طريق قطاع، بلا خريطة للوصول والنجاة. دموع مقهور

لم يتمالك سائق مسن، مصاب بعدة أمراض مزمنة، نفسه وهو يحكي قصة حياة بلا عنوان. بحرارة «المقهور»، ذرف دموعا حارة لعله يخفف عن نفسه، بعضا مما يخنق دواخله وبواطنه. عبثا حاول زملاؤه، مواساته رغم أنهم بحاجة إلى من يواسيهم، وينتظرون تدخل مسؤولي قطاع بات لا أحد يجهل ظروف وكيفية توزيع مأذونياته.
«نريد التفاتة ملكية إلى أحوال سائقي سيارات الأجرة بفاس، الذين لفظهم القطاع ويعانون أوضاعا اجتماعية صعبة جدا».. عبارة وردت على لسان سائق «غلبه» الزمن، بعد أن حوله المرض وجحود القطاع، إلى متسول بين المحطات، بالكاد يجمع بضعة دراهم لم تعد تنفعه لتغطية تكاليف ومصاريف أسرته الصغيرة في منزل نزع عداد كهربائه لعدم أداء واجب استهلاك 4 أشهر.
يعيش هذا الرجل الذي قضى أكثر من 20 سنة في القطاع، عوزا كبيرا بعد أن وجد نفسه متسولا، دون أن يستفيد من مأذونية تخفف عنه معاناته، إثر مرضه ورفض أصحاب سيارات الأجرة، تشغيله أمام الموجة الجديدة لأصحاب «بيرميات الشينوا» كما وصف بعضهم، في إشارة منه إلى تكثيف استفادة شباب من رخص الثقة، بشكل ساهم في بطالة وعوز عشرات السائقين القدامى.
يعيش هذا الرجل تيها يوميا ينطلق بقطع نحو 10 كيلومترات بين محل سكناه في حي عين السمن ووسط المدينة الجديدة، مشيا على الأقدام، في رحلة مضنية تستنسخ مساء بعد أن ينهي مشوار التسول وغسل سيارات الآخرين لعلهم ينعمون عليه ببضعة دراهم. لكنه لم يفقد الأمل في التفاتة تنتشله وزملاؤه الذين يحمل بعضهم أوسمة ملكية وسموا بها في مناسبات وطنية، من واقع الضياع.

أين الوفاء؟

«أين الوفاء؟».. تساؤل استهلت به لائحة بأسماء سائقين لسيارات الأجرة، غدرت بهم الأيام ولفظتهم إلى هامش المجتمع، متسولين «على باب الله».
سائقون تتراوح أعمارهم بين 46 و84 سنة، قضوا ما بين 20 و54 سنة منها في العمل في القطاع، لكنهم لم يجنوا أي شيء من وراء تلك السنوات التي «ضيعوها» في قطاع يقولون إنه «لا يصون حقوق مهنييه».
تثير اللائحة، انتباه وفضول متصفحيها لأسماء قضت 54 سنة وراء مقود الطاكسي، كما حال رحو الريحاني ومحمد الأنصاري وعبد السلام كريم. هم سائقون مخضرمون كما عبد الله العمراني وعبد السلام دوناس وعبد الرحمان الرحال وبوشتى السطالي ومحمد الخادري وغيرهم، ممن لا أحد كلف نفسه عناء البحث عن المكان والمصير الذي انتهوا إليه بعد سنوات شقاء.  
هؤلاء وغيرهم، يعيشون وأبناؤهم وأسرهم، أوضاعا صعبة بلا معيل بعد أن انقطع رزقهم بعد عجزهم عن «إدارة» العجلة، الوحيدة التي كانت توفر لهم قوتهم اليومي، وهم الآن يناشدون المسؤولين للمرة الرابعة بعد مناشدات في يونيو ويوليوز وشتنبر الماضي، لاستقبالهم والاستماع إلى مشاكلهم الاجتماعية ومحاولة إيجاد حل لها مراعاة لظروف أسرهم المعوزة والمدقعة.

ظروف صعبة

عبد الرحمان الرحالي (65 سنة)، أب لأربعة أبناء أكبرهم في ربيعه الأربعين متزوج ومستقل عنه ماديا. قضى الرجل، 43 سنة في العمل سائقا لسيارة الأجرة الصغيرة، وهو من أقدم السائقين الذين ما زالوا على قيد الحياة، يجرون ويجترون مرارة إهمال قضيتهم. تقدم بدوره بطلب للحصول على مأذونية تعفيه مصيرا غامضا، منذ التسعينات، لكنه لم يتلق أي رد برفض أو قبول ملفه.
«لا أقدر على السياقة ليلا. أنا الآن عاطل»، «المدخول، زيرو».. بتلك العبارات يلخص عبد الرحمان القاطن في منزل من غرفة يتيمة بحي حفرة بنسليمان الهامشي، ما يعيشه ويعانيه من مشاكل اجتماعية وصحية مع قلة نظره ومرضه بالسكري، في غياب أي مساعدة أو التفاتة مادية من أي جهة رسمية كانت أو خاصة، حتى النقابة التي بنظره تشتغل بمنطقة «هاك وأرى».
وليس عبد العالي مؤذن ذي 54 سنة، قضى نصفها في سياقة سيارة الأجرة الصغيرة، أحسن حالا من زميله عبد الرحمان، وهو الذي يعاني مرضا في القلب، يكلفه تحاليل ومصاريف يعجز عن توفيرها، قبل أن يجد نفسه متسولا لتوفير لقمة عيش 7 من أبنائه، واحد منهم فقط يعمل خرازا، والباقون، إما يعيشون واقع البطالة أو يتابعون دراستهم في مراحل مختلفة.
هو بدوره خاض تجربة تقديم طلب الحصول على مأذونية، دون جدوى، شأنه شأن السائق عبد السلام دوناس (72 سنة، قضى منها 44 سنة في المهنة)، رغم أن لا معيل لأبنائه الأربعة، لواقع عطالته منذ أكثر من سنة، التي يعزوها إلى «ما كيبغيوش يخدمونا حنا القدام، حيث السائقين الحاليين كيرضاو بكلشي»، ما أزم ظروفه الاجتماعية في ظل مرضه بالسكري وضعف النظر.

طلب النجدة

«44 عام وأنا كنخدم، دابا ما كاينش اللي كيقلب عليك، حيث كثروا الشيافر» يقول السائق عبد السلام دوناس، غير راض عن مصيره ومصير زملائه الذين امتهنوا التسول أو وجدوا أنفسهم في مهن هامشية لا تغني ولا تسمن من جوع، بعد أن تنكر لهم الجميع، ساردا أسماء عشرات السائقين، يعيشون واقعا مرا.
هم أكثر من 200 سائق يعانون ظروفا اجتماعية وصحية صعبة، تفوق مدة عمل بعضهم في الطاكسي، خمسة عقود. بعضهم توفي يتسول في محطة القطار أو غيرها، كما حال «ك» و»ب. ع». وآخرون فقدوا بصرهم كما حال «ع. د» و»ع. ب» اللذين قضيا أكثر من 37 سنة في المهنة، بينما يتذوق الباقون مرارة المرض و»الحكرة» والقهرة، اليومية.
هم سائقون قدامى يعتزون بمغربيتهم، استعطفوا كل الجهات، لعلها تخفف عنهم واقع البؤس والحرمان والفقر بعدما طعنوا في السن وأخذت منهم أمراض الأعصاب والسكري والروماتيزم ومشاكل البصر، ليكون مآلهم الشارع.
غالبيتهم يستنجدون حاليا بعد أن طال انتظارهم بعطف وكرم جلالة الملك، والتفاتة منه تنقذ أسرهم التي «لا دخل لها سوى ما نربحه من دخل أيدينا»، وعلى وشك التشرد دون سكن قار ولا مأوى. ويتمنون أن ينالوا قسطا من رد الجميل، نظير السنوات الطوال التي قضوها في قطاع سيارات الأجرة الكبيرة، قبل أن يؤدوا ثمن عبثيته.

فقدان الثقة

يعزو بعض المهتمين، بطالة هؤلاء السائقين القدامى، إلى اكتساح القطاع من قبل سائقين شباب مستعدين للعمل في شروط وظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها «مهينة»، بل قد يدفعون رشاوي مقابل حضوهم بسياقة سيارات، يستغلونها في «راليات» يومية بحثا عن مساحات طوال يقطعونها لأجل «روسيطة» محترمة ترضي أصحاب تلك السيارات المغتنين على حساب عرق الآخرين.
هم بحسب بعض المصادر أكثر من 8 آلاف سائق، منحت لهم رخص الثقة لسياقة نحو ألفي سيارة أجرة صغيرة بالمدينة، ما يعني 4 سائقين لكل سيارة، في معدل غير معقول ووسع هامش البطالة في صفوفهم، وفتح المجال لظهور سائقين لا تتوفر فيهم الشروط المطلوبة، ولا يحسنون التعامل مع الزبناء بدليل حادث وقع بحي بن دباب واعتداء سائق على زبونين بالسلاح الأبيض.
الثقة بين الزبون والسائق، بحسب بعض السائقين القدامى، لم تعد متوفرة عكس ما كان عليه الأمر في سنوات سابقة وأمام انتشار ظواهر مشينة أو ما بات يعرف ب»الريكولاج» في اتجاه بن دباب والرصيف وباب الفتوح وعوينات الحجاج وأمام محطة القطار أكدال وسط المدينة الجديدة، وغيرها من أحياء الهامش الفاسي، المنفتح يوميا على آفات هو في غنى عنها.
قديما كان سائق «الطاكسي الأحمر»، هو الوحيد الموثوق فيه. ويحكي السائق عبد العالي المؤدن، عن حالة تبنيه قبل سبع سنوات، طفلا مكنته منه شابة مغتصبة نواحي صفرو، ركبت سيارته من شارع إدوارد سكالي، قبل أن يكتشف معاناتها على إيقاع بكائها وخوفها، ليحن قلبه ويتوجه بوليدها إلى مصالح الشرطة، ويضمه إلى أبنائه الستة، لكنه الآن يعاني مشكلا لإدخاله إلى المدرسة.
«بغيت نسترها هي وولدها». بهذه العبارة يبرر ما أقدم عليه، مؤكدا أنه كان ينوي تزويجها من ابنه. وأشار إلى أن أم الطفل الوسيم، مكنته من اسمه ووثائق ازدياده بمستشفى الغساني. وهو تصرف نبيل منه، يقول زملاؤه الحاضرون في الجلسة، مستحيل أن تجد مثيلا له مع «الشيافر الجداد»، الذين بينهم من لا يحترم الزبونات ويتحرش بهن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق