حوادث

دراسة: مؤسسة الوسيط تقويض للبيروقراطية وترويض للأوتوقراطية (الحلقة الثانية)

المصطفى ناضر بوعبيد
تعد الجهة الوحيدة التي أناط بها القانون مجموعة من الاختصاصات والصلاحيات

دعما لمسلسل الإصلاحات المتوالية الهادفة إلى تدعيم أسس الديمقراطية وترسيخ مبادئها. ودفاعا عن المكاسب الحقوقية التي تم تحقيقها رغم الإكراهات والتحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الكبرى التي يواجهها المغرب خصوصا في الظرفية الراهنة.

قال المغفور له الحسن الثاني، بمناسبة إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بتاريخ 8 ماي 1990: «لا يمكن لهذا البلد أن يكون دولة قانون إلا إذا جعلنا لكل مغربي الوسيلة لكي يدافع عن حقوقه كيفما كان خصمه».
وتعتبر مؤسسة الوسيط وسيلة ناجعة يمكن للمواطن أن ينال حقوقه بواسطتها، وقد تم التنصيص على اختصاصاتها وصلاحياتها بمقتضى الظهير الشريف المشار إليه، كما تمت دسترتها أخيرا بمقتضى الفصل 162 من الدستور الجديد الذي عرفها بأنها مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة، مهمتها الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات بين الإدارة والمرتفقين، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون، وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف، وقيم التخليق والثقافة في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيآت التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن مؤسسة الوسيط تعتبر مؤسسة غير قضائية، وآلية حقوقية متميزة للمراقبة وتطبيق القانون، وتدبيرا تنظيميا ناجعا يرمي إلى الإسهام في تقديم أحسن الخدمات للمرتفقين، عن طريق تذليل الصعوبات والعقبات التي تعترضهم، وتحسين ظروف استقبالهم بشكل يضمن احترامهم ويصون كرامتهم.
كما أنها تعتبر أخيرا بمثابة الحلقة الرابطة واللبنة الجديدة التي دعت الحاجة إلى توظيفها في بناء جسر التواصل الإيجابي والفعلي بين الإدارات العمومية من جهة وبين جميع مكونات المجتمع المدني من جهة ثانية.
وعند قراءتنا لديباجة الظهير الشريف المنظم لمؤسسة الوسيط تتضح لنا أهميتها القصوى، كما تتجلى لنا الأسباب والغايات النبيلة التي من أجلها أحدثت هذه الآلية الجديدة، تلك الديباجة التي تضم عدة فقرات تستحق كل منها لحظة تمعن ووقفة تأمل في كنهها وفحواها، حيث يلاحظ أن تلك الفقرات استهلت بكلمات تحمل دلالات عميقة تنم عن العزم الكبير والإرادة الصادقة، والرغبة الملكية الأكيدة والجادة في الإصلاح والاهتمام بحقوق الإنسان.
وهي كلمات توحي بقيام ثورة حقيقية يقودها عاهل البلاد ضد كل مظاهر التخلف والاستبداد، كما أنها مؤشرات إيجابية جدا، تؤشر وتبشر ببداية عهد جديد، ألا وهو عهد النهضة المغربية.
وأظن أنه لا مجال منذ الآن للتذرع بذريعة انعدام الإرادة السياسية التي كانت تتغنى بها أحزاب المعارضة منذ عهود خلت، مادامت الإرادة الملكية تعبر بصدق وإلحاح عن الرغبة في الإصلاح والتغيير إلى ما هو أفضل لأجل تنمية البلاد والنهوض بها على كافة المستويات، تلك الرغبة الأكيدة المتجلية في كل خطب جلالة الملك منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، والموجهة إلى الشعب المغربي في عدة مناسبات، والتي تنم بحق عن فلسفة جديدة في الحكم، وفي تدبير شؤون البلاد والعباد، ألا وهي فلسفة الإصلاح والمصالحة والتصالح، المتميزة والمطبوعة بطابع الجرأة والجدية والحداثة، والمتوجة أخيرا لا آخرا بالدستور الجديد الذي يعد مكسبا عظيما ومفخرة للشعب المغربي.
وبموجب الظهير الشريف المشار إليه أحدثت مؤسسة الوسيط التي تتميز بكونها مؤسسة وطنية تتمتع بالاستقلالية اللازمة والتامة عن أي سلطة من السلط، كما تتمتع بكامل الأهلية القانونية التي تمكنها من الحياد والتجرد التام، عند انكبابها على دراسة الشكايات والتظلمات المحالة عليها لأجل البت في كل منها طبقا للقانون.
كما أنها أصبحت هي الجهة الوحيدة التي أناطها القانون بمجموعة من الاختصاصات والصلاحيات المتعددة مثل تلقي الشكايات، وتظلمات المواطنين في شأن بعض التصرفات اللاقانونية والأفعال اللامسؤولة المنافية لمبادئ الأخلاق والعدل والإنصاف، والتي قد يلاقونها سواء من طرف بعض الموظفين أو الأعوان، أو المسؤولين القائمين على تسيير دواليب الإدارات العمومية، أو مرافقها، بالإضافة إلى مراقبة القرارات القاضية برفض طلبات المواطنين، والصادرة عن تلك الإدارات، وكذا إجراء الأبحاث والتحريات اللازمة في شأن بعضها، إذا اقتضى الأمر ذلك، ثم القيام بإجراءات الوساطة ومساعي التوفيق، بين الإدارة والمرتادين لها، والعمل على ترسيخ مبادئ الحكامة، ورفع مستوى جودة الخدمات الإدارية، عن طريق القيام بجملة من التدابير من بينها التخفيف من حدة البيروقراطية، بتبسيط الإجراءات المسطرية، وعقلنتها.
وبصفة عامة، وطبقا لمقتضيات المادة الأولى من الباب الأول من الظهير الشريف، والمنظمة لمهام واختصاصات مؤسسة الوسيط، فإن هذه الأخيرة تسهر على الدفاع عن حقوق الأفراد والجماعات، وتحقيق العدل والإنصاف، والسعي إلى تخليق الإدارة، وبت قيم النزاهة والشفافية في تدبير وتسيير المرافق العمومية، عن طريق التوصل إلى أنجع الحلول التي من شأنها الرقي بمستواها، وإضفاء طابع المصداقية عليها، وبالتالي كسب ثقة المواطنين فيها، بالإضافة إلى ربط التواصل البناء والإيجابي بين الأشخاص الذاتيين أو المعنويين سواء كانوا مغاربة أو أجانب، وبين الإدارات العمومية والجماعات، المحلية والقروية، والمؤسسات العمومية وكل الهيآت التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية، وباقي المنشآت والهيآت الأخرى الخاضعة للمراقبة المالية للدولة، والتي تدخل كلها في مصطلح الإدارة.
بالإضافة إلى الاختصاصات المخولة للمؤسسة المركزية للوسيط نشير إلى أن هذه الأخيرة تتمتع بصلاحيات أخرى تتجلى في تسيير الجهات على مستوى ربوع المملكة، ومراقبة أشغالها، وكذا تتبع ومراقبة أشغال المندوبيات الخاصة والمندوبيات المحلية.
كما تختص طبقا للمادة الخامسة من الظهير الشريف، وطبقا للشروط والكيفيات المحددة في النظام الداخلي للمؤسسة إما بمبادرة منها، أو بناء على شكايات أو تظلمات تتوصل بها، بالنظر في جميع الحالات التي يتضرر فيها أشخاص ذاتيون أو اعتباريون مغاربة أو أجانب، من جراء أي فعل سلبي قد يصدر عن بعض الإدارات العمومية أو مرافقها خاصة إذا كان الفعل المرتكب مشوبا بالتجاوز أو الشطط في استعمال السلطة، أو مخالفا لمبادئ العدل والإنصاف. وبأنها مؤسسة وطنية تتمتع بالصفة والأهلية القانونية، التي تخول لها القيام ببعض التصرفات والمبادرات التي تخدم مصلحة الوطن والمواطنين، ولأجل التشاور وإغناء الفكر والحوار حول قضايا التدبير الإداري والحكامة الجيدة، وتطلعا إلى النهوض بمستوى الإدارات العمومية وتأهيلها وتحديث منهجيتها وعصرنة مرافقها، وتقويم أسلوبها في التسيير والتدبير والتواصل.
وطبقا للمادة السادسة والثلاثين من الظهير الشريف، فإن مؤسسة الوسيط تتولى في إطار سيادة القانون، ومبادئ العدل والإنصاف، تنظيم منتديات وطنية أو إقليمية أو دولية بهذا الخصوص تكون الغاية منها التعريف بالإدارات العمومية المغربية وبالتالي الاستفادة من التجارب والخبرات الوطنية أو الأجنبية لأجل تطويرها.
وبأنها فكرة تواصلية، تسهم المؤسسة في إحداث شبكات للتواصل والحوار البناء بين الهيئات الوطنية والأجنبية، وكذا بين الخبراء من ذوي الإسهامات والاجتهادات المشهود لهم بها في مجال الحكامة الإدارية الجيدة، وذلك قصد التشاور والتعاون وتبادل الخبرات لأجل مواكبة مستجدات العصر.
وبخصوص التنظيم البنيوي والهيكلي لمؤسسة الوسيط سواء على المستوى المركزي أو الجهوي، وطبقا للمادة الرابعة والأربعين والمادة الثالثة والخمسين من الظهير الشريف، فإن هذه المؤسسة تتوفر على هيكلة إدارية تنظيمية تتكون بالإضافة إلى مكتب الوسيط من كتابة عامة وشعب ووحدات إدارية وتقنية، يتم تحديد تنظيمها وطريقة عملها واختصاصات كل منها من طرف الوسيط الذي يقوم بالتنصيص على ذلك في النظام الداخلي للمؤسسة، ليتم العمل به بعد المصادقة عليه من طرف جلالة الملك، وبعد نشره بالجريدة الرسمية.

  المصطفى ناضر بوعبيد منتدب قضائي إقليمي بالنيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق