حوادث

التوتر في قطاع العدل… قراءة في موقف التصعيد

ابلقاسم المعتصم
ضرورة التعجيل بإخراج قانون المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لقضاة وموظفي العدل

شهدت محاكم المملكة في الآونة الأخيرة حركة احتجاجات غير مسبوقة. إذ عرفت هذه السنة تطابقا في المواقف بين النقابات الثلاث في القطاع، على الرغم من أنه غير متوافق حوله لعدم رغبة أحد الأطراف النقابية في التنسيق. ولعله من المفيد الإشارة إلى أن هذا الوضع غير المسبوق –والمطلوب أيضا- لعبت فيه الجامعة الوطنية لقطاع العدل (العضو في الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب) دورا كبيرا. حيث كان تأسيسها إيذانا ببداية إيقاع جديد، فرض على الأطراف النقابية الأخرى إعادة النظر في منهجية تعاطيها مع مطالب أطر وموظفي العدل وفي طريقة تدبيرها للملف المطلبي عموما. وقد لمس الجميع هذا التغيير بشكل كبير سنة 2009؛ حيث تقوت الجامعة الوطنية بانضمام عدد مهم من المناضلين إليها، وانخراط مدن ومحاكم في صفوفها.

ليس خفيا على أحد أن مستندنا في مطالبنا هو الخطابات الملكية بالدرجة الأولى، حيث كان خطاب 29 يناير 2003 واضحا حين دعا جلالة الملك إلى «وضع نظام أساسي محفز لكتاب الضبط، تحصينا لهم من كل الإغراءات والانحرافات، المخلة بشرف القضاء ونزاهة رسالته». وهو مقصد ملكي التفت حوله الوزارة الوصية للأسف، وأعدت قانونا أساسيا خاليا من أي تحفيز، ولا ينتظر منه أي تحصين. كما كان خطاب صاحب الجلالة في 20 غشت 2009 والداعي إلى «إخراج القانون الأساسي لكتاب الضبط» تلميحا آخر يفهم منه إعادة النظر في النظام الأساسي بما يحقق المطلوب منه، وهذه دعوة صريحة لضرورة تضمينه مقومات التحصين والتحفيز، لأن هذا الخطاب الملكي لا يمكن شرحه إلا بناء على ضوء الخطاب الملكي السابق له.
لكن، وكأن التاريخ يعيد نفسه، أعدت وزارة العدل مشروعا جديدا بناء على التعليمات الملكية، عمدت فيه إلى إجراء تعديلات شكلية وغير ذات معنى، إلا في القليل من مواده، بينما ضربت بعرض الحائط عددا من التعديلات التي سبق أن قدمت لها سواء من الجامعة الوطنية أو من غيرها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: استقلالية كتابة الضبط وتقويتها من خلال إقرار هيكلة تنظيمية حديثة، والتنصيص على مؤسسة رئيس كتابة الضبط، إضافة إلى تحديد وتوصيف المهام وفق معايير موضوعية محددة، وحذف الحواجز بين أطر كتابة الضبط.. وغيرها من المطالب الأخرى ذات الطابع الاعتباري أكثر منه طابع مادي، وهي بالمناسبة لا تتطلب تكاليف مالية وليس لها تأثير يذكر لا في الموازنة العامة للحكومة ولا الخاصة لوزارة العدل، بل بالعكس ستساهم في تقوية كتابة الضبط حتى تتمكن من أداء الأدوار المنوطة بها أحسن أداء.
من وجهة نظري، وانسجاما مع إيماني العميق بمبادئ الجامعة الوطنية لقطاع العدل المرتكزة على أساس الوضوح والمصداقية والواقعية، وانطلاقا من مسؤولياتي كعضو بالمكتب الوطني للجامعة، وعضو سابق في لجنة الحوار مع وزارة العدل، وبناء على شعوري بالمسؤولية في ضرورة إبداء الرأي والمقترحات والمبادرات التي تتناسب وحجم التصعيد الذي يشهده القطاع، والذي أجزم أن نقابة الجامعة الوطنية ساهمت فيه بحظ وافر؛ بما يجعلها رقما صعبا في المعادلة لا يمكن القفز عليه، مما يحتم على الوزارة الوصية استحضاره حتى لا تتكرر الأخطاء التي تنتج أحيانا عن عدم المسؤولية في التعامل مع الوقائع، الأمر الذي يفرض عليها إشراك الجامعة في أي خطوات لاحقة، وإلا فسيؤدي عدم إشراكها إلى توفير الظروف المناسبة لإشعال فتيل التوتر في القطاع من جديد، وهو ما تجني الإدارة نتائجه المرة اليوم.
بناء على كل ذلك، أقترح على الإخوة في الجامعة الوطنية وعلى التمثيليات النقابية الأخرى من جهة، وعلى وزير العدل من جهة ثانية، خارطة طريق لتهدئة الأوضاع بالقطاع، وهي رغبة عدد من الزملاء وعدد آخر من الموظفات والموظفين، الذين يؤكدون أن لا مصلحة لهم في وجود التوتر واستمراره بالقطاع، إذ الإضراب عندنا من أبغض الحلال، كما يشاطرني فيه عدد آخر من المناضلين في النقابات الأخرى.
وأقول، إن الخيارات الممكنة اليوم متعددة، والتوقف دون نتائج لا مكان له بينها، ولذلك أقترح ما يلي:
نعم لتهدئة محددة بمدة معقولة الأمد، لكن ليس على بياض، بل على برنامج متوافق حوله، ووفق جدولة زمنية محددة. وهذه التهدئة ستكون فرصة لإعادة مراجعة النظام الأساسي بما يسمح بإدخال التعديلات والمقترحات التي لم يتضمنها المشروع الحالي، مع اعتبار سنة 2011 هي السقف الزمني لإقراره وفي ظل الحكومة الحالية.
في مقابل ذلك، يجب أن تلتزم الوزارة بما يلي:
+اعتبار النقابات شريكة وليست خصوما، وهذا يتطلب جدولة جلسات الحوار، وإشراكها في جميع ما يتعلق بالحياة المهنية للموارد البشرية بالقطاع.
+احترام الحريات النقابية وفق ما أقرته الاتفاقيات الدولية ووفق القوانين الجاري بها العمل. وتشكيل لجنة مشتركة بين الوزارة والإطارات النقابية، مهمتها تتبع مدى التزام المسؤولين محليا ووطنيا باحترام هذه الحريات.
+تقوية الخدمات الاجتماعية من خلال التعجيل بما يلي:
*ضرورة التعجيل بإخراج قانون المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لقضاة وموظفي العدل، مع ضمان تمثيلية النقابات وودادية موظفي العدل.
*الزيادة في المنحة المقدمة للمتقاعدين برفعها من 20.000 درهم إلى 60.000 درهم وخاصة للمقبلين على التقاعد قبل 2012.
*تقديم مساعدات لامتلاك السكن للمقبلين على التقاعد؛ إما بأداء قسط من الأقساط المتبقية في ذمة بعضهم، أو بتقديم دعم وقروض تفضيلية لغير المالكين منهم لأي سكن.
وهذه المقترحات يجب أن تتدارسها لجنة أخرى مشتركة قصد الاتفاق على تفاصيلها الكاملة.
*تمكين موظفي كتابة الضبط من تعويضات الحساب الخاص في أجل سنوي قار ودائم.
*جعل تعويضات الحساب الخاص قارة في المبلغ السنوي الأقصى المحدد بمقتضى المرسوم المنظم لها، وعدم التلاعب في مبالغها كل سنة.
وهذه المقترحات كلها في متناول الوزارة الوصية وليست تعجيزية، وهي ذات صبغة استعجالية، ويمكن أن يتم الاتفاق عليها والالتزام بها في ظرف زمني يسير. وإذا قبلت بها الوزارة فيمكن أن تخفف من التوتر السائد بمحاكم المحكمة إن لم توقفه، على أساس أن يستمر التفاوض على النظام الأساسي وفق ما يحفظ حق موظفي هيأة كتابة الضبط من إقراره بما يحقق التحصين والتحفيز. وأما تعويضات الحساب الخاص التي تم إقرارها من قبل المجلس الوزاري الأخير فلا يجب أن تكون محل نقاش، والذين يقولون برفضها يرتكبون جريمة لا تغتفر، لأنها تبقى مكسبا من مكاسب ملفنا المطلبي؛ الذي كان دائما يفرق بينها وبين التعويضات الأخرى التي ينتظر أن تكون في صلب النظام الأساسي.
وتبقى هذه مبادرة أتمنى أن تجد آذانا صاغية لدى كل الجهات المعنية، وهي كما ذكرت -وإن قمت بتسويدها- قناعة عدد كبير من موظفات وموظفي القطاع. فهل تتعقل وزارتنا ؟ وهل يعود بعض المغفلين ممن طرأ عليهم الرفض من دون الرجوع للقواعد التي بوأتهم ما هم فيه من بحبوحة العيش، إلى رشدهم؟
ابلقاسم المعتصم: عضو المكتب الوطني للجامعة الوطنية لقطاع العدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق