fbpx
الأولى

كاسترو… زعيم التغيير الذي رفض أن يتغير

a5936-une-4

وفاة الزعيم الكوبي عن تسعين عاما قضاها في معارضة أمريكا وحلفائها

حتى في رحيله، أصر الزعيم الكوبي فيديل كاسترو على أن يودع العالم بطريقته الخاصة، أن يرحل بمحض إرادة قدره. بيد الزمن لا بيد أعدائه..

تناسلت محاولات اغتياله حتى عُدّت بالمئات، فنجا منها بالأعاجيب، ليرحل في التسعين من عمره وقد «سئم تكاليف الحياة» كما يقول الشاعر  بن أبي سلمى ذات معلقة سخر  فيها من طول عمر الشيوخ. رحل كاسترو مثقلا بغبار السنين، ومشبعا بالرائحة النفاذة للثبات على المبدأ كما هو عبق «السيكار» الكوبي. غادرنا وهو يحمل زمنه الذي رفض له أن يحمل ملامح عالم اليوم.

وهكذا أعلنت كوبا وفاة زعيمها الذي ظل يقاوم الموت المحمول على أكف الأعداء، ليتسلمه صاغرا، ليلة الجمعة الماضية،  من يد الزمن مغلفا بالشيخوخة والمرض..

منذ حوالي عقد من الزمن اختار رفيق تشي غيفارا  التنحي عن دفة الحكم، بعد نصف قرن على رأسها، ليسلم قيادها إلى شقيقه راوول، ويستأمنه على الحفاظ على كوبا جزيرة مستقلة وعصية على الإخضاع، ويكون بذلك زعيما للتغيير يرفض أن يتغير.

وبوفاة كاسترو أو «الكومندانتي»، كما يحلو للكوبيين تسميته، يغيب واحد من آخر العمالقة السياسيين في القرن العشرين،  والذي جعل من جزيرة صغيرة في الكاريبي بؤرة اختبار قوة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، زمن الحرب الباردة، التي اختار  أن «يشعل حرارتها» بالوقوف في وجه «الإمبريالية العالمية» ويتحدى أجهزتها المخابراتية ودسائسها وينجو من أحابيل الاغتيالات المدبرة، التي حاولت استئصال نظام حكمه.

ورغم انحياز كاسترو ونظامه إلى المعسكر الشرقي، زمن الحرب الباردة، إلا أنه حاول أن يعطي نظامه وشعبه انطباعاً مختلفاً بأنه ليس مجرد تابع مطيع للاتحاد السوفياتي، وهو ما بدا من خلال تركيبة نظام حكمه الذي جاء مزيجا من السياسات الاشتراكية والمشاعر القومية ليعزز ولاء الكوبيين ويضمن خنوعهم وقبولهم بإجراءت التقشف الصارمة التي فرضها عليهم. لكن هذا الولاء بقي غير مضمون، فكانت زنازين السجون مصير المحتجّين.

تحول كاسترو إلى اسم مركزي في حركة عدم الانحياز، ومدّ نفوذه إلى عدد من الدول الإفريقية، لكن التدخل في الخارج زاد من الأعباء والمتاعب الاقتصادية في الداخل، خاصة أن كوبا كانت على رأس الدول المتضررة من التحول الجذري الذي طرأ على الاتحاد السوفياتي إثر القرارات التي اتخذها الرئيس ميخائيل غورباتشوف نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات.  ولكن كاسترو عرف مرة أخرى كيف يستفيد من موقع كوبا ومن ولاء المشاعر الوطنية، ووجد الزعيم الفينزويلي هوغو تشافيز، الذي اعتبره «ابنه الروحي»، فصار نفط فنزويلا بديلا لانقطاع المساعدات من موسكو، التي كانت تبادل النفط الروسي بالسكّر الكوبي، بعدما تعهد غورباتشوف للأميركيين بوقف المساعدات إلى كوبا في مقابل الدعم الاقتصادي للقيادة السوفياتية الجديدة.

ورغم بعض التنازلات التي قدمها خلال الفترة الأخيرة من حكمه بشأن علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية، فإن كاسترو ظل في نظر الكثيرين عدوها اللدود الذي أنهكها طيلة نصف قرن، وتحداها على مرمى حجر منها.

 عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى