fbpx
حوادث

التفسير النفسي لارتفاع حالات الاغتصاب والسرقة

الدكتور عبد الجبار شكري
شكري: كلما زادت نسبة الجرائم تعددت عوامل الخلل في المجتمع

يرى الدكتور عبد الجبار شكري أن ارتفاع نسبة جرائم الاغتصاب والسرقة لا يدل فقط على وجود خلل واحد فقط، وإنما يدل على وجود اختلالات متعددة
تبين أن المجتمع المغربي لم يعد مجتمعا متوازنا يحافظ على تماسكه انطلاقا من مقوماته الذاتية.

 توالت، أخيرا، سلسلة جرائم بشعة بالمغرب، تميزت بطفرة نوعية فيما يخص التعاطي مع الضحايا من طرف المجرمين، إذ تم تسجيل عشرات الحالات التي اغتصب المجرمون ضحاياهم وسرقوا ممتلكاتهم، ما هي قراءتكم لهذه الظاهرة الغربية؟
تعد الجريمة في حد ذاتها نوعا من الانحراف وخروجا عن قواعد المجتمع الممثلة في المرجعية الدينية ومنظومة القيم والتقاليد والأعراف، والخروج كذلك عن نظام قيم  الإنسانية العليا، فعندما تتكاثر جرائم السرقة وتصاحبها جرائم الاغتصاب الجنسي التي هي بطبيعتها تدخل في مجال الانحراف، فهي انعكاس لوجود خلل في المجتمع، بمعنى أن هذا الخلل في الأصل ناتج عن المجتمع نفسه ويضر به في الوقت نفسه، فكلما زادت نسبة هذا النوع من الجرائم، كلما كانت عوامل الخلل متزايدة في المجتمع.
إذا بالنسبة إلينا كمجتمع مغربي فإن ارتفاع نسبة هذا النوع من الجرائم لا يدل فقط على وجود خلل واحد فقط، وإنما يدل على وجود اختلالات متعددة تبين أن المجتمع المغربي لم يعد مجتمعا متوازنا يحافظ على تماسكه انطلاقا من مقوماته الذاتية أي من خلال وظائفه. وهذا ما أصبحنا نراه، في الآونة الأخيرة، ارتفاع نسبة ما أسميه ب “جرائم السرقة والاغتصاب “.
أولها السرقة ثم يليها الاغتصاب الذي ينتج عن الانفعالات المفاجئة والسريعة والاندفاعية والمتهورة، وهي اللحظة التي لا يقصد فيها المجرم إلا السرقة، ولا يتوفر لديه القصد الجنائي في الاغتصاب الجنسي، وإنما هي نتيجة ردود فعل قوية جدا لمؤثرات خارجية يصبح فيها “الأنا” في وضعية غير انضباطية لذاته، ويفتقد فيها إلى آليات وميكانيزمات الدفاع عن نفسه فيرتكب الاغتصاب بدون وعي. وهذا النوع الأول هو ما أسميه ب”الاغتصاب المجاني”، وهي تلك الجريمة التي ترتكب في لحظة انفعال الذات بدون أن يسبقها الترصد مع سبق الإصرار، فهي تأتي كرد انفعالي مفاجئ للمجرم ذاته.  
إن جرائم السرقة والاغتصاب المجاني يرتكبها المراهقون على الخصوص، وهي جرائم تحرج الآباء والمجتمع لأن المراهق القاصر عندما يرتكب جريمته فهو من الناحية الدينية غير بالغ وغير مسؤول عن أفعاله، وغير ملزم شرعا، كما هو الأمر بالنسبة للراشد، كما أنه من الناحية القانونية لا يعاقب كما يعاقب الراشد، لهذا فالقضاء يدخله إلى مؤسسة إصلاحية من أجل علاجه وتقويم سلوكه، لأنه يعتبر الجرم الذي ارتكبه المراهق القاصر ما هو إلا نتيجة إكراهات اجتماعية ونفسية، وغير صادر عن النية والقصد . أما فيما يتعلق بالشخص الراشد الذي يرتكب جريمة السرقة والاغتصاب فهو شخص أسميه بـ” المجرم المجاني”.
أما النوع الثاني، فهو السرقة والاغتصاب الجنسي المقصود لهدف معين، وتتميز هذه الجرائم بأنها محدودة ومنتهية في لحظة معينة، وتكون مرجعيات المتهم رغبة عدوانية مكبوتة ترجع إلى غريزة “التناتوس”، أي غريزة الموت، كما يسميها التحليل النفسي، والتي يحقق فيها المجرم لذة نفسية كما هو الأمر بالنسبة إلى الرغبة الليبيدية المكبوتة التي تنتمي إلى غريزة “الإيروس” والذي يحقق فيها الفاعل كذلك رغبة نفسية مكبوتة. إذا الجريمة في هذا النوع تختار موضوع إشباعها ويلبي فيها المجرم تلك الرغبة الاستيهامية العدوانية المكبوتة.
أما النوع الثالث وهو ما يسمى بالسرقة والاغتصاب المتكرر، وهي جريمة تأتي نتيجة الجريمة المقصودة في لحظة معينة، فعندما تنتاب المجرم اختلالات واضطرابات نفسية تخلق لديه بنية نفسية هشة تتكاثر فيها الرغبات اللبيدية والعدوانية المكبوتة وتتكاثر معها الموضوعات الاستيهامية التي تشكل الإشباع الفعلي لهذه الرغبات اللبيدية العدوانية، فتتنوع وتتعدد فيسعى المجرم باستمرار إلى السرقة والاغتصاب معا، وفي هذه الحالة فإن السرقة والاغتصاب الجنسي يصلان إلى مستواهما الأقصى الباثولوجي عندما يتحول عند المجرم إلى عادة سلوكية فهو حالة مرضية وصلت إلى أقصاها من الاضطراب النفسي، فالسرقة والاغتصاب يسعى من خلالهما إلى إشباع رغبات مكبوتة أصبحت تطالب الأنا باستمرار من أجل إشباعها، وفي الوقت نفسه يضطر الأنا للخضوع لهذه الرغبات الانفعالية المكبوتة فيعدد مواضيع استيهاماته. ونلاحظ أن عملية السرقة والاغتصاب تشمل أشخاصا متعددين، وهذا التعدد يعكس تعددا آخر يهم المواضيع الاستيهامية للمجرم.
< لماذا يلجأ بعض المجرمين إلى أسلوب السرقة والاغتصاب معا؟
أشير في البداية إلى أن هذه الجريمة التي صنفتها سابقا، ترتبط بنوع شخصية المجرم والتي تنقسم من الناحية السيكولوجية إلى ما يلي:
أولا، هناك المجرم العبثي وهو ذلك المجرم الذي يرتكب السرقة أولا ثم جريمة الاغتصاب الجنسي في لحظة انفعالات مفاجئة وسريعة واندفاعية ومتهورة، وهي اللحظة التي لا يقصد فيها المجرم الاغتصاب الجنسي ولا يتوفر لديه القصد الجنائي، وإنما هي نتيجة ردود فعل قوية جدا تجاه المثيرات الخارجية، إذ أصبح فيها “الأنا” في وضعية غير انضباطية لذاته يفتقد فيها إلى آليات وميكانيزمات الدفاع عن نفسه، فيرتكب الجريمة بدون وعي.
ثانيا، نجد المجرم الوظيفي فهو الذي يرتكب الجريمة المقصودة لهدف معين للحصول على المال والاشباع الجنسي معا، بمعنى أن المجرم يرتكب دائما جرائمه من أجل تحقيق وظيفة منفعية ما.
ثالثا، المجرم الاستيهامي، وهذا النوع تكون مرجعيته رغبة عدوانية مكبوتة، ترجع إلى غريزة تناتوس، أي غريزة الموت كما يسميها التحليل النفسي. وهي تلك التي يحقق فيها المجرم لذة نفسية مازوشية، كما هو الأمر بالنسبة إلى الرغبة اللبيدية المكبوتة التي تنتمي إلى غريزة الإيروس والتي يحقق فيها الفاعل رغبة نفسية. إذا الجريمة في هذا النوع تختار موضوع إشباعها الوهمي، ويلبي فيها الفاعل تلك الرغبة الاستيهامية العدوانية المكبوتة في الاتجاهين معا.
رابعا، المجرم السادي وهو ذلك المجرم الذي يرتكب جريمة السرقة والاغتصاب مع سبق الإصرار والترصد، فعندما تنتابه اختلالات واضطرابات نفسية تخلق لديه بنية نفسية هشة، تتكاثر فيها الرغبات العدوانية المكبوتة، ويقوم بالبحث عن الموضوعات الاستيهامية التي تشكل الإشباع الفعلي لها، فتتنوع وتتعدد فيسعى المجرم باستمرار إلى السرقة والاغتصاب المتكرر ، ولكن في هذا النوع من الجرائم يقوم بالتعبير عن باثولوجيته.
أجرى الحوار: خ . ع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق