الفرنسيون يكنون العداء لمهنة التوثيق العدلي تنتشر هذه الأيام إشاعات وأخبار بين العدول حول توحيد التوثيق بالمغرب تخص إدماج التوثيق العصري في التوثيق العدلي ليصير للمغرب توثيق واحد. إلا أن هذه الإشاعات والأخبار بعد تتبعها وتمحيص مصادر نشوئها تبقى في الأخير إشاعات وأخبارا. ومع ذلك بالنسبة للسادة العدول تبقى مشروعة لتدفع بمؤسسة التوثيق في المغرب لتكون مؤسسة واحدة وتقطع مع هذه الازدواجية بين توثيق عدلي يعتمد في تحرير العقود اللغة العربية وتوثيق عصري يعتمد اللغة الفرنسية. إن هذه الازدواجية والتضارب في التوثيق مرجعها بداية القرن العشرين ابتداء من عهد الحماية الفرنسية على المغرب الى اليوم، حيث أن الاحتلال الفرنسي حمل نظامه التوثيقي للمغرب للعمل به على غرار ما هو بفرنسا فاصطدم بتوثيق عدلي له أسسه وقواعده التاريخية منها ما هو سياسي ومنها ما هو ديني والنتيجة هو تزاحم توثيقين كما ذكرنا إلى يومنا هذا الى أن يقصي الواحد منهما الآخر، أو إلى أن تتم مراجعة ودراسة التوثيقين معا والخروج بتوقيق واحد والقطع النهائي مع هذه الازدواجية والتضارب. وبالرجوع إلى التوثيق العدلي الذي لازال يضرب عليه الحجر من طرف وزارة العدل وتسييجه بمجموعة من الأسيجة والعراقيل والعمل على تنفير المواطن من العقود العدلية بوجود هذه الصعوبات رغم اضطرار هذا المواطن وإجباره على هذه العقود بما فيها من سلبيات في الأداء والعمل بدءا من حضور مجلس العقد عدلان بمذكرتهما وشكل الوثيقة وطريقة العمل وخطاب السيد القاضي وتضمين العقد بكناش التضمين من طرف النساخ الى غيرها من الترتيبات والمساطر لا هي إدارية ولا توثيقية، وإنما هي تعقيدات وطرق بدائية في العمل، وبين توثيق عصري يساير التطورات ويتيح فرصة الاجتهاد وبدون قيود ولا شروط حيث يبدأ بموثق واحد له الصلاحية الكاملة في إنجاز وتحرير العقود وبالسرعة المطلوبة حسب كفاءة الموثق وبدون إخضاعه وتكبيله بقيود كما هو شأن العدل في البحث عن العدل الثاني والهرولة الى المحكمة ليخاطب السيد القاضي على العقد ومده الى الناسخ لتضمين العقد في الكنانيش التاريخية وبين كل محطة من هذه المحطات هناك مسافة زمنية فيها ضياع للوقت ومصلحة المواطن ناهيك عن النظرة التي يتلقاها العدل من المواطنين المغاربة أو من الأجانب عن طريقة العمل والمساطر البدائية المعمول بها في خط العدالة، ورغم كل هذه الانتقادات التي تصب كلها في تطوير مهنة العدالة باعتبارها مؤسسة تاريخية لا يمكن التفريط فيها إلا أن الآذان الصاغية أو المسؤولة لا تحرك ساكنا في هذا الجانب إلا بزيادة التعقيدات وخلق جبال من الصعوبات والعوائق أمام العدول مع تفضيل التوثيق العصري وضرب مبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص بين المهنوبالرجوع إلى تاريخ مهنة العدالة وضرب مبدأ المنافسة نجد أن الاحتلال الفرنسي قد حاول سابقا تقديم وتفضيل التوثيق الفرنسي على التوثيق العدلي، إلا أن المغفور له محمد الخامس تصدى لهذا التفضيل وأصدر الظهير المؤرخ في 17 جمادى الثانية عام 1362 الموافق 21 يونيو 1943 يقضي بمساواة العدول للموثقين الفرنسيين في قيام الوصف بهم جميعا لتلقي سائر الشهادات الراجعة إلى الأملاك التي تم تحفيظها أو التي لازالت في طور التحفيظ سواء كانت متعلقة بالاعتراف أو بتفويت الأصول والحقوق العقارية أو المنافع العقارية انشائية أو مغيرة لعقد سابق أو مؤذنة بانتهائهومن ذلك يتبين أن الفرنسيين كانوا دائما وأبدا يكنون الحقد والعداء لمهنة التوثيق العدلي للقضاء النهائي على كل ما يزخر به الفقه الإسلامي من مصادر ومراجع في التوثيق محاولين طمس الهوية العربية والإسلامية في هذا المجال وفي مجالات أخرى مكونة للثراث المغربي، وللأسف الشديد وفي عصرنا هذا لازلنا نجد من يدافع عن النظام الفرنسي وتوثيقه ويتبجح بمزاياه ناسيا أو متناسيا أن الظروف التي عاشها المغرب وغيره من الدول كانت سببا في تأخره، وأن التقدم والتطور الذي يعرفه الغرب كان على حساب هذه الدول وتأخرها.ورغم كل هذه الصعوبات والعوائق الجاثمة على مهنة التوثيق العدلي طيلة قرن كامل تقريبا مافتئت جمعية عدول استينافية الدار البيضاء وإيمانا منها من أن بلادنا مازال فيها من الأحرار والشرفاء المدافعين عن وطنهم وهويتهم من مسؤولين ومواطنين عاديين الى مراسلة جميع الجهات المعنية لرفع الظلم والحيف الذي يعرفه التوثيق العدلي من وزارة العدل بصفتها الوزارة الوصية على المهنة والوزارة الأولى ووزارة المالية والأمانة العامة للحكومة ومجلس النواب بغرفتيه وغيرها من الجهات للنظر في حالة المهنة وإعادة الاعتبار لها وفك الارتباط النهائي مع كل ما يعيق ويقيدها لتكون متساوية مع المهن الأخرى في الحقوق والواجبات، مع العلم أن هذا العمل وهذه الكتب والرسائل والمذكرات الموجهة الى الجهات المذكورة هو من صميم إدارة الهيأة الوطنية للعدول بالمغرب إلا أن عملها وكما سبق أن أخبرنا بذلك السادة العدول أن الهيأة الوطنية همها الوحيد هو تحصيل الموارد المالية بكل الطرق القانونية والطرق المتحايلة على القانون تاركين المشاكل والمواضيع التي كان عليهم أخذ السبق فيها لمعالجتها، وحل ما أمكن حله من المشاكل إلى أجل غير معلوم وغير مكترثين بحجم الخطورة وما يحاك ضد المهنة وأهدافها النبيلة. وأن مهنة التوثيق العدلي تزخر حاليا بعدول شباب حاصل على دبلومات عالية من دكتواره وغيرها وأقلها إجازة مع قضاء سنتين في المعهد العالي للقضاء، وكم من سؤال يطرح أين الضرر في حالة إذا ما تم فك الارتباط مع كل هذه القيود ورفع الحجر عن العدول لإظهار كفاءاتهم وبيان اجتهاداتهم وفتح الباب أمامهم للعمل والمساهمة في تطوير المنظومة التوثيقية وجعلها مسايرة ومواكبة للتطورات والتغيرات التي تعرفها الشعوب شرقا وغربا، كما يطرح السؤال ما الفائدة من الاحتفاظ بهذه الوسائل العتيقة والتقليدية في العمل التوثيقي وحتى وإن كان من جواب على هذه الأسئلة فلن يكون إلى ضدا على السيرورة التاريخية للمهنة، مع العلم أن الديباجة التي قدم بها المشرع لقانون 16.03 اعتبر فيها أن مهنة التوثيق العدلي تعد محورا أساسيا في المنظومة القضائية وأن هدفها الأساسي توثيق الحقوق والمعاملات والحفاظ على أعراض الناس وأنسابهم وتحضير وسائل الاثبات والمساهمة في التنمية العقارية والاقتصادية والاجتماعية وسدا لكل الثغرات التي اعترت المهنة خلال القرن العشرين عمل المشرع المغربي حسب الديباجة ومن أجل دمج خطة العدالة في المحيط الاقتصادي والاجتماعي والرقي بها الى مصاف المهن القانونية والقضائية المتطورة وجعلها مهنة العصر تتماشى مع التطورات والتغيرات التي يعرفها الوقت الراهن في شتى المجالات خاصة مجال التوثيقوإذا كان تصور المشرع المغربي لمهنة التوثيق العدلي بهذه الرؤى وهي توجيهية نحو المستقبل، فلماذا تصر بعض الجهات على إبقاء المهنة على هذه الحالة وجرها الى الوراء ومحاصرتها بكل هذه القيود وهذه الأسئلة قليلة من رزمانة كثيرة يعرفها ذوو الاختصاص، وإن العدول مصممون بمشيئة الله عاجلا أو آجلا على إرجاع حقوقهم ومكتسباتهم التي سلبت منهم وأعطيت لجهات أخرى طال الزمان أو قصر. ادريس العلمي: الكاتب العام لجمعية عدول استئنافية الدار البيضاء