fbpx
خاص

لـيـلـة فـي كـازيـنـو بـأكـاديـر

مقامرون يندبون حظهم وآخرون يحلمون بالثروة والاغتناء السريع

تعددت، خلال السنين الأخيرة، فضاءات القمار بأكادير، وتخصصت كازينوهات في تنظيم مسابقات لمختلف أنواع الرهان بأسلوب يغري الزبناء،
خصوصا أن المدينة تستقبل مئات السياح الأجانب الذين يفضلون ممارسة هوايتهم بعيدا عن أعين المتلصصين.

حركة السير عادية في كورنيش أكادير، ازدحام وضجيج وسيارات تتسابق، ودراجات نارية تزاحم المارة في الأزقة.. إنها الفوضى المعتادة التي تشهدها المدينة السياحية كل نهاية أسبوع.
الساعة تشير إلى العاشرة مساء، ولا شيء يدل على أن هذه الليلة استثنائية، فقد اعتاد رواد الكورنيش كل يوم سبت الاستعداد لقضاء ساعات في فضاءاته حيث الأضواء التي تزين العديد من المقاهي والعلب الليلية، وبعض الشباب الذين اختاروا المشي على طول الشاطئ الفسيح، أو الجلوس في المقاهي في انتظار بداية الاحتفال الأسبوعي.
في زوايا أخرى من الكورنيش تصطف الفنادق الفخمة التي زينت بأضواء علها تثير السياح الأجانب والمغاربة، وكل فضاء حاول جذب زبنائه، والسياح الأجانب، من المفضلين طبعا الذين يحظون بترحيب خاص.
أحد هذه الفنادق أعلن عن برنامجه الليلي، فهو عبارة عن كازينو، ضمن ثلاثة  معترف بها رسميا بالمدينة، وحثت لوحة إشهارية على ولوجه، مغرية بإمكانية الفوز بمبالغ مالية كبيرة، وبجانبها وقف حراس الأمن الخاص يدققون في الملامح، وقلما يتكلمون، فمهمتهم ضمان الأمن لهواة الرهان.
لم يخف أحد المقامرين، حين قادته قدماه إلى ممر طويل يؤدي إلى الباب الرئيسي للكازينو، أن ولوجه أول مرة له كان بمثابة تحقيق نصر كبير بالنسبة إليه، فقد تغلب على الحاجز النفسي بعدما كان يمارس القمار في شقق خاصة، مشيرا إلى أن ما يميز الكازينوهات المعترف بها تشديد الحراسة عليها والاستعانة برجال الأمن الخاص وضبط لائحة المدعوين، تفاديا لكشف هويتهم وضمان مرور الليلة بكل أمان، علما أن ملايين السنتيمات تروج يوميا وتدر مداخيل هامة على الوسطاء ومالكي الكازينوهات.
اجتهد أصحاب الكازينو في ضمان كل شروط الراحة لزبنائهم، ومنها الوجبات الغذائية وكل أنواع الخمور، وعمدوا إلى جلب فتيات، أحيانا من جنسيات أوربية، للعمل نادلات ومرافقات للزبناء، كما تعاقدوا مع بعض شركات الحراسة الخاصة، علما أن الكازينو مزود بكاميرات تراقب تفاصيل الحركة، بالمقابل جنى أصحابه نسبا من الأرباح عن كل عملية تدر في نهاية المطاف مبالغ مالية تقدر بالملايين.
ولا تبدأ طقوس اللعب إلا مع الساعة العاشرة ليلا، ولا تنتهي إلا في وقت متأخر من الليل، وقد تمتد إلى الصباح، في حال إذا أصر المقامرون على اللعب إلى النهاية، أي نهاية الأموال التي يأتون بها إلى الكازينو، بل أحيانا يتم اللجوء إلى مقامرات غريبة تضع ثروات كبيرة في كف عفريت.
فضاء الكازينو مريح جدا، فقد صمم لطرد الرتابة، فالأضواء والموسيقى وابتسامة النادلات والديكور تمنح المقامر اطمئنانا وتدفعه إلى المكوث داخله أكبر وقت ممكن، علما أن المدمنين خلقوا أجواء الألفة بينهم، فتراهم يتعانقون ويتبادلون الابتسامات، وأحيانا يتسامرون في زوايا للحديث عن شؤون الرهان طبعا، فلغة المال هي السائدة والبحث عن المجد المالي قد يتحقق بضربة حظ، حسب اعتقادهم.
لا يخفي أحد المقامرين أن زبناء الكازينو من أبناء شخصيات مرموقة، ورجال أعمال وموظفون كبار، كما يأتي إليها أثرياء من مدن مختلفة، من بينها الرباط وطنجة والقنيطرة، إذ أن القاعدة الذهبية داخل كازينو أن كل شيء مباح. ويروي بعض كبار المقامرين مغامراتهم بكثير من التشويق، إذ يحكي أحدهم وهو موظف مرموق في إحدى المؤسسات الخاصة أن الدخول إلى عالم المقامرين يفتح الباب أمام قصص غرائبية تبتدئ بالانضمام إلى فئة تستمتع باكتشاف أغوار الكازينوهات، إذ تخصص بعضها في استقطاب الأجانب وكبار المقامرين، ويؤثث فضاؤها بعشرات الفتيات الجميلات يتم وضعن رهن إشارة الزبائن، ويمنع على عمال الكازينوهات الاتصال بهن، ومن يقدم على ذلك يعرض نفسه للطرد من العمل.
في أكادير يطرد الساهرون النوم، فحسب إحدى اللوحات الإشهارية، فإنه يمكنك “مواصلة السهر حتى نهاية الليل إذا أغرتك لعبة من ألعاب القمار التي ستسحرك بتنوعها (آلات نقود و»رولات بلاك» و»جاك بوكر» و»رولات الكترونية»)، ويمكنك أن تجرب حظك في أحد كازينوهات المدينة ليمد الليل الطويل ذراعيه ليحتضن هواة السهر في الملاهي الراقصة حتى الصباح»، إنها نصائح حفظها المقامرون عن ظهر قلب، لكنهم يتذكرون جيدا مآسي مدمنين آخرين جعلهم الرهان مفلسين للأبد.
حكايات المفلسين لا تبدأ إلا في نهاية كل لعبة، فيرى أحدهم أن الكازينوهات أصبحت عنوانا لعدم استقرار بعض الأسر التي أدمن أربابها على القمار، ومنهم من أصيب بأزمات قلبية وإغماءات نتيجة الخسائر المالية الكبيرة التي أصيبوا بها، إضافة إلى تفشي الفساد والرذيلة ووقوع الفتيات ضحية الإغراءات التي يعرضها عليهن زبائن الكازينو ورواده، لكن الغريب في الأمر أن هذه المواعظ تختفي حين تبدأ لعبة جديدة، فيتخلى الجميع عن «وساوسهم» وينخرطون في اللعب.
خلف هذه الآثار الاجتماعية للكازينوهات يبقى طموح المقامرين الرغبة في الحصوص على الربح المالي السريع، إذ يستثمرون أموالهم في مشاريع وهمية لجني أرباح طائلة في وقت وجيز، فالمقامر لا يقنع والربح بالنسبة إليه ليس له حدود. وبعد عدة مشاركات في هذه اللعبة يتحول إلى مدمن، فالقمار يصبح بالنسبة إليه متعة وعملية مشوقة تستحق المواظبة والمثابرة.

القانون والقمار
رغم أن القانون الجنائي يعاقب كل مغربي يجلس في طاولة قمار بغرامة تصل إلى 50 ألف درهم، فإن 90 في المائة من زبناء الكازينوهات مغاربة من كل فئات المجتمع، فيما تتوزع النسبة الأخرى بين مواطنين خليجيين وآخرين من أوربا. ويوجد بالمغرب حاليا حوالي 7 كازينوهات، ثلاثة بمدينة أكادير، واثناين بمراكش، وواحد بمدينة طنجة، وكازينو مازاكان بالجديدة. وتتراوح مداخل الكازينوهات بأكادير ما بين 12 و22 مليون درهم سنويا، حسب إحصائيات غير رسمية، تخصص منها 55 في المائة للمصاريف، بينما تبقى نسبة 45 في المائة للأرباح.

خالد العطاوي
(موفد الصباح إلى أكادير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى