مقترح مثير للجدل يبرز حجم التحولات الاجتماعية لجيل الألفية الثالثة في وقت يستمر فيه سن الزواج في الارتفاع، ويفشل فيه جزء كبير من الزيجات الجديدة، وتصاعد أرقام الطلاق، أصبح العزوف عن الزواج ظاهرة مكتملة الأركان في المجتمع، الأمر الذي يضعنا أمام تحولات اجتماعية من نوع خاص، إلى درجة أن مؤسسات رسمية أصبحت تحذر من شيخوخة وشيكة للمجتمع. وفي سياق هذه التحولات والمخاض الذي يعيشه الشباب، في ما يتعلق بالزواج وتشكيل الأسرة، تقدمت منظمة نسائية تدور في فلك الإسلام السياسي، بمقترح أثار الجدل طيلة الأيام الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وحظي بمساحة كبيرة من النقاش الجاد أحيانا، والهزلي أحيانا أخرى. ووضعت منظمة منتدى الزهراء للمرأة المغربية، القريبة من العدالة والتنمية، بين يدي الأحزاب السياسية في سياق كشف المنظمات الحزبية عن برامجها الانتخابية، مقترحا يقضي بتخصيص منحة مالية مباشرة وغير مستردة للشباب المقبلين على الزواج، وتقديم قروض دون فائدة للأزواج الجدد، لمساعدتهم على تحقيق الاستقرار المالي في مرحلة الزواج. ويعد هذا المقترح مرآة لأزمة صامتة، إذ يعتبر البعض أنها إشكالية وجودية تواجه المجتمع، خاصة أن منحنى السكان سيبدأ في النزول نحو الأسفل في السنوات والعقود المقبلة، ما يهدد تعداد المجتمع. ورغم أن المقترح يأتي في سياق انتخابي، ويعول عليه المنتدى في الترويج السياسي للحزب الإسلامي، إلا أن هذه النقطة تستوجب وقفة حقيقية، من أجل التفكير فيها بشكل إستراتيجي، خاصة أن للموضوع أبعادا اقتصادية وتنموية مهمة. وتجمع الدراسات الاقتصادية على أن النمو السكاني يصاحبه نمو اقتصادي، أي أن القوة العاملة الشابة تساهم في تحقيق الثروة، غير أن المغرب تأخر نسبيا، إذ في وقت بدأت فيه ملامح الاقتصاد الوطني تتضح، وأخذ سكته الصحيحة في العقدين الأخيرين، وبدأت السياسات العامة المتخذة في هذا المضمار تعطي ثمارها، شرع عدد السكان في الاتجاه نحو الاستقرار والتراجع في العقود المقبلة، وهو ما يهدد النهضة التنموية الوطنية. وتتعدد العوامل التي تقف حجر عثرة أمام الشباب للزواج، إذ منها ما هو اقتصادي صرف، وهناك جزء مهم من الأسباب ذات الطابع الاجتماعي، أبرزها تداعيات قيم الدولة الحديثة، من قبيل تقديس الحرية والمساحة الشخصية والاستقلالية المالية، ما يجعل الزوجة في غنى عن الزوج، والزوج في غنى عن المرأة أيضا، لتبقى غريزة الأبوة والأمومة الحافز الأكبر للزواج في هذه المرحلة الدقيقة من عمر المجتمع المغربي. عصام الناصيري