الخروج من دائرة الجمود هل أصبح من الضروري اعتماد الخبرة الجينية وسيلة أصلية لإثبات النسب في مدونة الأسرة؟ > لا يبدو منطقيا حصر إثبات النسب في الوسائل التقليدية، لأن الخبرة الجينية اليوم تُعد من أدق وسائل الإثبات. كما أن التمسك بوسائل تاريخية قديمة يوحي بتوقف الاجتهاد الفقهي عن مواكبة التطور العلمي. ويمكن التأكيد على أن مقاصد الشريعة تقوم على تحقيق العدل والوصول إلى الحقيقة، وبالتالي فإن تعطيل الدليل العلمي الحديث يثير تساؤلات حول قدرة الفقه التقليدي على التكيف مع المستجدات العلمية المعاصرة. هل ما زالت قاعدة الولد للفراش كافية لحل جميع منازعات النسب المعاصرة؟ > قاعدة الولد للفراش، كانت ذات دور تاريخي مهم في زمن غياب الوسائل العلمية لإثبات النسب، لكنها قد تتحول إلى عائق إذا جُمدت ولم تُواكب التطورات الحديثة. وباعتبار عبارة "الولد للفراش" قاعدة مغلقة وغير قابلة للاجتهاد يتجاهل أنها في الأصل اجتهاد فقهي مرتبط بظروف زمانه. ولو توفرت للفقهاء القدامى وسائل العلم الحديثة لما ترددوا في اعتمادها. لذلك فإن احترام التراث الفقهي لا يكون بتجميده، بل بتفعيله بروح الاجتهاد التي تهدف إلى تحقيق العدل وكشف الحقيقة. هل ينبغي الاعتراف بحق الطفل في معرفة أصله البيولوجي ولو كان مولودا خارج إطار الزواج وتوسيع سلطة القاضي في قضايا النسب؟ > لا يجوز أن يُعاقب الطفل على وضع لم يكن له فيه أي اختيار، كما أن حرمانه من حقه في معرفة نسبه يطرح إشكالا أخلاقيا وقانونيا. فالتشبث بتصورات فقهية تقليدية دون مراعاة التطورات المعاصرة يتعارض مع روح العدالة وحقوق الإنسان. والمطلوب ليس إلغاء الشريعة، بل تطوير فهمها بما يحقق مقاصدها في حفظ الكرامة والأنساب والحقوق، بدل الجمود على اجتهادات تاريخية نشأت في سياقات مختلفة. أما في ما يخص مسألة توسيع سلطة القاضي في قضايا النسب والاعتماد على الخبرة الجينية، فإن ذلك لا يُعد خروجا عن الشريعة، بل امتداد لمنهجها في البحث عن الحقيقة، تماما كما استُعملت القيافة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، لإثبات النسب اعتمادا على الشبه الظاهر. وإذا كانت القيافة تعتمد على الملاحظة البشرية، فإن التحليل الجيني يقدم دقة علمية أعلى لتحقيق الغاية نفسها، وهي الوصول إلى النسب الحقيقي. كما أن القرآن أكد مبدأ إلحاق الأبناء بآبائهم الحقيقيين في قوله تعالى: ﴿ ادْعوهُم لِآبَائِهِم﴾، مما يجعل معرفة الأصل مقصدا شرعيا. وعليه، فإن الإشكال لا يكمن في النصوص الشرعية، بل في تحويل اجتهادات تاريخية إلى قواعد جامدة غير قابلة للمراجعة. ولهذا فتعطيل الخبرة الجينية بدعوى التمسك بالقديم يحد من مواكبة التطور العلمي، بينما توسيع سلطة القاضي لاعتمادها ينسجم أكثر مع مقاصد الشريعة في تحقيق العدل وإثبات الحقيقة وحفظ الأنساب. أجرى الحوار: محمد بها * محام بهيأة الجديدة