fbpx
خاص

تحليل: لا مفر من المستقبل

قرر الملك تعديل الدستور، وكان هذا متوقعا قبل مدة، ولم يكن ينتظر سوى استكمال عمل اللجنة التي اشرفت على وضع مشروع الجهوية الموسعة.. وكان متوقعا أن يعلن عن المشروع قبل مدة، لولا أن الملك طالب اللجنة التي عرضت عليه المشروع، أن تستكمل عملها على نحو أكثر عمقا وشمولية، كان هذا مطلب الملك للجنة، ما دفعها إلى إعادة النظر في كثير من نقاط المشروع.. لكن تزامن عرض المشروع مع مطالب الشارع المغربي، أعطى ذلك قوة أكبر، ومكن الملك من تقديم مشروع الجهوية في إطار تعديل دستوري شامل، يستهدف تعزيز الديمقراطية، وتعميق العمل بها، وأيضا إعطاء دفع قوي للحركة الإصلاحية التي عرفت فتورا في السنوات القليلة الماضية، وذلك من خلال انتخاب المجالس الجهوية بالاقتراع العام المباشر، والتدبير الديمقراطي لشؤونها، وتخويل رؤساء المجالس الجهوية سلطة تنفيذ مقرراتها، كما يشمل التعديل الدستوري الجواب كذلك على مطالب توسيع صلاحيات الوزير الأول، التي ستصبح، وفق التعديل الدستوري المقبل مؤسسة تنفيذية فعلية، تستمد صلاحياتها ومشروعيتها من خلال المنهجية.
الديمقراطية، التي تختار الوزير الأول من بين أكثر الأحزاب التي حظيت بأكبر تمثيلية في البرلمان، ما يعني أن الحكومة ستكون منتخبة وفق الإرادة الشعبية المعبر عنها من خلال صناديق الاقتراع، وموافقة غالبية مجلس النواب، يضاف إلى ذلك إعلان الملك عن سلسلة من الإصلاحات تستهدف تقوية وتمنيع التعددية السياسية، وتوسيع العمل بحقوق الإنسان، وضمان أكبر  للحريات الفردية، واستقلالية القضاء ودور الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني.
وقد قيل إن ما أعلن عنه الملك في خطابه، جاء استجابة لمطالب الإصلاح، التي دعت إليها احتجاجات الشارع المغربي، وهذا ممكن، دون أن تكون لمطابلها قوة ووضوح  التدقيق في نوعية هذا الإصلاح، فقد كان مطلبها عموميا، وأبعد كثيرا من تحديد نوعية التعديل، بل كانت تطالب بمجرد التعديل وهذا منتهى ومطلق مطلبها.. وهذا طبيعي ومقبول، قياسا لما تراه وتقايسه من مطالبها مع مطالب الثورات التي شهدتها بعض الدول العربية، كما أن التعديلات التي جاء بها الخطاب الملكي، أبلغ كثيرا، وأكثر تقدما من بعض مطالب الأحزاب التي طالبت بتعديل الدستور، والتي لم تكن في بعضها أكثر من مجرد شعارات عن الإصلاح، وأقل بدرجات كبيرة عن الاقتراحات العملية للإصلاح.. لا، بل إن العديد من الأحزاب، ظلت ترفع من مطالب الإصلاح الدستوري، في إطار المزايدات السياسية بينها، ولم تصل على امتداد عشرية حكم الملك محمد السادس، إلى مستوى المطالب الملحة والعملية، أو عرضها على نحو واضح وعملي..
ويكفي للتدليل على ذلك من إعادة بسط مناسبات إخراج ورقة الإصلاح الدستوري من قبل الأحزاب، للتأكيد على أنها لم تصل، إلى مستوى المطلب الإجرائي والملح، بل كثيرا ما صرح الأمناء العامون للأحزاب، بأن الإصلاح الدستوري سابق لأوانه، وهو ليس بالدرجة نفسها التي تتطلبها الكثير من القضايا الأخرى، ما يعني أن الإصلاح الدستوري لم يكن واردا في أجندة الأحزاب، بل كان لاغيا ومنسيا، ولا يستدعي مجرد الإحاطة به علما.
فتعديل دستور 1996، لم يكن نهائيا ولا مغلقا، لكنه في وجه من وجوهه، استوفى مجمل الإصلاحات التي كان ينشدها الملك الحسن الثاني، وكان التصويت الإيجابي عليه، سياسيا من قبل غالبية الشعب المغربي، وتصويتا، في حده الأدنى من أجل إنجاح البناء المشترك والتوافقي بين الملك والمكونات السياسية الحزبية، التي مكنت إلى حد ما من إعطاء صبغة أخرى للممارسة السياسية، وبناء توازنات بديلة لما كانت عليه في السابق، فيما تبقى المغايرة القائمة في تعديل دستور 1996، أنه كان مسبوقا بنقاش حقيقي ومتقدم بين الأحزاب، وبشكل خاص في إطار أحزاب الكتلة، فيما يخلو مشروع الإصلاح الدستوري الحالي من ذلك، إذ أن كل الأحزاب التي خاضت غمار النقاش حول الإصلاحات السياسية والدستورية في التسعينات، وكانت آنذاك تمثل المعارضة، هي التي توجد حاليا في الحكومة، وقد فُرض عليها الإصلاح الدستوري، وعليها أن تكون في مستوى تدبيره وإنجاحه، فيما كانت في التسعينات، صاحبة المبادرة، التي رفعتها إلى الملك الحسن الثاني في إطار، ورقة المقترحات السياسية، وخاضت من أجلها نضالات كبيرة، كان من أكبر ضحاياها، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي قال فريق منها بمحدودية الإصلاحات التي جاء بها تعديل دستور 1996، وفريق اكتفى باعتبارها إصلاحات مرحلية لا يمكن التقليل من أهميتها.

بقلم: مصطفى الزارعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى