كتاب من أدب السجون يستعيد سنوات الجمر تعززت الكتابات الخاصة بأدب السجون، بنص سردي جديد للباحث نورالدين سعودي، الذي ذاق مرارة الاعتقال السياسي، خلال سبعينات القرن الماضي، ضمن الحملة التي شملت قيادات وأطر تنظيمات اليسار المغربي. الكتاب الجديد يتحدث عن "رحلة" فريدة عاشها سعودي خلال أحد فصول تاريخ "سنوات الجمر والرصاص"، ضمن مجموعة محاكمة "السرفاتي ومن معه" (سنة 1977)ّ، وما عانته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان (اختطاف، احتجاز غير قانوني، تعذيب، محاكمة غير عادلة، أحكام جائرة...)، والمقاومة التي واجه بها مناضلو هذه المجموعة للحفاظ على كرامتهم وإنسانيتهم. إنه شهادة ذاتية موثقة، يقول سعودي، تندرج ضمن الإطار الأوسع لأدب السجون والمقاومة في المغرب، مؤكدا أن مصطلح "رحلة" استعمله بمعناه المجازي، إذ يتعلق الأمر بمسار امتد لما يقارب عشر سنوات (1974–1984) عبر عدة أماكن للاعتقال بالمغرب، من بينها درب مولاي الشريف، السيء الذكر، والسجن المدني بالبيضاء، وسجن لعلو، ثم السجن المركزي بـالقنيطرة، وهي فضاءات طبعتها مظاهر القمع والتعسف، التي ميزت سنوات الرصاص، في إطار مقاربة سوسيو-تاريخية. إن كتابة هذا الكتاب، يقول سعودي، تهدف إلى نقل تجربة معيشة إلى الأجيال المقبلة، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي، وهي شهادة تروي فصول المعاناة من تعذيب، وظروف اعتقال لاإنسانية وغير قانونية (تعصيب الأعين، تكبيل الأيدي، منع الكلام والحركة لأشهر طويلة، الضرب…)، والحرمان، ومهزلة المحاكمة، التي يتجاهل فيها القاضي القوانين، كما تبرز في المقابل أشكال المقاومة، مثل الإضرابات عن الطعام، ومظاهر التضامن، والإبداع، والحس الإنساني العالي الذي كان يتيح للمعتقل الحفاظ على كرامته خلف القضبان". وبعيدا عن سرده الشخصي، يرسم الكتاب صورة لتطور المجتمع البيضاوي، بين خمسينات وسبعينات القرن الماضي، ويبرز التباين مع المرحلة التي تلت الإفراج عنه. إنه ذاكرة حية لمغرب يعيش توترا بين الحداثة والاستبداد. كما يذكر بثقل التاريخ وبضرورة الإسهام في بناء الذاكرة الجماعية من أجل تشييد المستقبل، ويستحضر قدرة الإنسان على الصمود في قلب المعاناة، وقوة الروح والروابط الإنسانية، التي تتشكل في خضم الشدائد وتتحدى أقصى الظروف. وينضاف هذا النص الجديد إلى نصوص أخرى، كتبها معتقلون سياسيون سابقون، من اليسار السبعيني، وأيضا من المعتقلين العسكريين بتازمامارت، لتشكل بذلك مرجعا تاريخيا لسنوات الرصاص، التي عاشها المغرب، دونها ضحايا هذه الفترة السوداء من تاريخ المغرب، في إطار حفظ الذاكرة. يقول سعودي، إن الكتاب يهدف إلى المساهمة في ترسيخ هذه المرحلة المظلمة في الذاكرة الوطنية، حتى لا تتكرر مرة أخرى، والتعريف بنضال الجيل الذي ينتمي إليه، وترك بصمة في التحولات التي شهدها المجتمع المغربي. برحو بوزياني