النافذة الديمغرافية عبد الواحد كنفاوي النافذة الديمغرافية مصطلح يقصد به الفترة الذهبية التي تمر منها كل المجتمعات وتتميز بانخفاض معدل الخصوبة وتراجع نسبة الأطفال المعالين، ما ينتج عنه اتساع قاعدة السكان في سن العمل. وتعد هذه المرحلة فرصة ذهبية للدول من أجل تحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي، لكن استغلال هذا الامتياز يتطلب سياسات استباقية لضمان الاستغلال الأمثل لوفرة اليد العاملة. المغرب يمر، حاليا، من منعطف تاريخي صامت، لكنه الأشد تأثيرا على المديين المتوسط والبعيد، فالمعادلة الديمغرافية التي طالما شكلت خلفية مريحة لصناع القرار بدأت في التغير السريع وبدأت النافذة تضيق تدريجيا، ليدخل المغرب مرحلة متسارعة من شيخوخة السكان، ناتجة عن انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع أمد الحياة. هذا التحول الديمغرافي ليس مجرد تغير في الأرقام الإحصائية، بل يعتبر زلزالا في الهرم السكاني يضع النموذج الاقتصادي والمالية العمومية للمغرب على محك اختبار حقيقي. على المستوى الاقتصادي، يواجه المغرب مفارقة معقدة، فالنمو الديمغرافي السابق وفر هبة، تمثلت في ملايين الشباب المؤهلين لسوق العمل، غير أن بنية الاقتصاد لم تستوعب هذه الطاقات بالكامل، ما جعل معدلات البطالة مرتفعة في صفوف حاملي الشهادات والشباب. وسينتقل المغرب، مع تراجع وتيرة النمو السكاني في العقود المقبلة، من وضعية تسجل فائضا في اليد العاملة إلى شح الطاقات الشابة. هذا التحول يفرض ضغوطا خانقة، إذ ستتراجع تنافسية القطاعات التقليدية، التي تعتمد على اليد العاملة الرخيصة وغير المؤهلة، كما أن ضعف مشاركة النساء في سوق الشغل يعني تعطيل نصف الطاقة الإنتاجية للبلاد في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى رفع مستويات الإنتاجية وتعويض النقص المستقبلي. ويصبح من الضروري الانتقال السريع نحو اقتصاد المعرفة والرقمنة لتعويض النقص العددي البشري بزيادة إنتاجية العامل الواحد. وإذا كان الأثر الاقتصادي يحتاج لسنوات ليظهر بشكل جلي، فإن الارتدادات على المالية العمومية بدأت تظهر بالفعل وبشكل مقلق. ويتجلى ذلك، من خلال الأزمة البنيوية التي تعانيها صناديق التقاعد، بفعل تراجع حاد في المعدل الديمغرافي، الذي يحتسب عدد المنخرطين النشطين لكل متقاعد، ما يتسبب في عجز بنيوي يستنزف ميزانية الدولة لإعادة توازنها. ويطرح هذا التحول الديمغرافي تحديات على المنظومة الصحية، إذ أن شيخوخة السكان تعني طفرة في الأمراض المزمنة والمكلفة، ما يرفع الطلب على الإنفاق الصحي العمومي بشكل مضاعف مقارنة بالبنية السكانية الشابة. إن مواجهة التحولات الديمغرافية الحالية لا يمكن أن تتم عبر مسكنات مالية مؤقتة أو إصلاحات مقياسية معزولة لبعض الصناديق، إنها معركة استباقية تتطلب شجاعة سياسية لإعادة صياغة الأولويات. ويتطلب ذلك تسريع إصلاح منظومة التعليم لمواءمة متطلبات الاقتصاد الحديث، ودمج النساء بشكل فعال في الدورة الاقتصادية، مع تحويل التحدي الديمغرافي الحالي إلى فرصة، من خلال استغلال السنوات القليلة المتبقية من النافذة الديمغرافية لبناء قاعدة إنتاجية صلبة قادرة على تمويل شيخوخة المجتمع بكرامة واستدامة. إن الرهان الحقيقي للمغرب، حاليا، هو ألا يشيخ قبل تحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي.