أطفال خارج الـ "طوندونس" خالد العطاوي احتاج المغاربة إلى فيديو صادم كي يغضبوا، كما احتاجوا إلى مشهد طفل يدفع إلى تذوق مادة يشتبه في أنها مسكرة، حتى تستيقظ مواقع التواصل الاجتماعي، وتشتعل التعليقات بالتنديد، وتتحرك المصالح الأمنية بسرعة وحزم. وما وقع اعتداء على البراءة، قبل أن يكون مجرد مخالفة للقانون، فالطفل ليس حقل تجارب لنزوات الكبار، ولا مادة للعبث أو الاستهزاء أو صناعة المحتوى الرخيص. ووسط هذه العاصفة من الغضب، يبرز سؤال أكثر إزعاجا من الواقعة نفسها: لماذا نغضب عندما توثّق الإساءة إلى الأطفال بالكاميرا، بينما نلتزم الصمت أمام انتهاكات أخرى تتكرر كل يوم على مرأى الجميع؟ لماذا نثور عندما يصبح الاعتداء “طوندونس”، بينما نتعايش مع مآس أكبر لأنها فقدت عنصر المفاجأة؟ الحقيقة أن الطفل الذي ظهر في الفيديو ليس الضحية الوحيدة، فآلاف الأطفال في المغرب يعيشون أشكالا مختلفة من الاستغلال لا تقل خطورة، لكنها لا تجد طريقها إلى الشاشات، إذ يكفي أن تجلس في أحد المقاهي لبضع دقائق حتى يقترب منك طفل يحمل علبة مناديل ورقية أو قطع شوكولاتة رخيصة، علما أنه لا يفترض أن يكون في المقهى أصلا، فمكانه الطبيعي في المدرسة أو في ملعب الحي، لا بين السيارات والغرباء. وفي كل إشارة ضوئية تقريبا، يتكرر المشهد ذاته، إذ تعاين أطفالا يركضون بين السيارات المتوقفة، يمدون أيديهم للتسول أو يعرضون خدمات تنظيف الزجاج، حتى أن بعضهم لم يتجاوز السابعة أو الثامنة من عمره، ومع ذلك يقضي ساعات طويلة وسط العوادم والخطر والحرارة والبرد. ولا يقف الأمر عند التسول أو البيع المتجول، فهناك أطفال يعملون في ورشات الصناعة التقليدية، وآخرون في الأسواق والحقول والمهن الهامشية الشاقة. وهناك من يغادر مقاعد الدراسة مبكرا ليلتحق بعالم العمل، قبل أن يتعلم أبجديات الحياة. وهناك أيضا أطفال الشوارع الذين يعيشون خارج كل دوائر الحماية، وأطفال يتعرضون للعنف الأسري أو الإهمال أو الحرمان من التعليم، في صمت لا يثير الضجيج نفسه الذي يرافق مقطع فيديو صادما. المشكلة أن المجتمع أصبح سريع الغضب، لكنه أصبح أيضا سريع النسيان، إذ ينتفض أمام حادثة ثم يعود إلى التعايش مع المأساة اليومية، ويبحث عن الجريمة التي يمكن تصويرها ومشاركتها والتعليق عليها، بينما يتجاهل الجرائم البطيئة التي ترتكب بحق الطفولة كل يوم. وكأن معاناة الأطفال تحتاج إلى كاميرا كي تصبح حقيقة تستحق الاهتمام. لا أحد يختلف حول ضرورة معاقبة من ورط ذلك الطفل في واقعة بنسليمان، ولا أحد يمكنه تبرير ما حدث. لكن حماية الطفولة لا ينبغي أن تكون انتقائية، فإذا كان تقديم مادة مسكرة لطفل جريمة أخلاقية وقانونية، فإن دفع طفل إلى التسول جريمة أيضا. وإذا كان العبث ببراءة طفل فعلا مدانا، فإن حرمانه من التعليم واستغلاله في العمل المبكر لا يقلان خطورة. وإذا كنا نطالب بالحزم في قضية واحدة، فمن الواجب أن نطالب بالحزم نفسه في كل القضايا التي تسرق طفولة المغاربة.