حين يتكلم الدستور ذ. كمال الهشومي* لم تولد الضريبة باعتبارها أداة مالية فقط، وإنما نشأت تاريخيا باعتبارها إحدى أهم آليات بناء الدولة الحديثة. فمنذ أن انتقلت المجتمعات من منطق الغلبة والقوة إلى منطق الدولة والقانون، برزت الحاجة إلى توزيع أعباء المصلحة العامة بين جميع أفراد المجتمع، وفق قواعد موضوعية وعادلة تمكن الدولة من تمويل وظائفها الأساسية وضمان استمراريتها. ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يرتبط تاريخ الديمقراطية الحديثة بتاريخ الضريبة نفسها. ففي التجربة الإنجليزية، كان الصراع حول فرض الضرائب أحد الأسباب المباشرة التي أدت إلى ترسيخ سلطة البرلمان في مواجهة الملك منذ الماغنا كارتا سنة 1215، قبل أن يتحول المبدأ لاحقا إلى قاعدة دستورية شهيرة مفادها: «لا ضريبة بدون تمثيل». وهو المبدأ نفسه الذي شكل أحد أهم مرتكزات الثورة الأمريكية سنة 1776 عندما رفض المستعمرون دفع الضرائب للتاج البريطاني دون أن يكون لهم تمثيل سياسي داخل المؤسسات، التي تقرر تلك الضرائب. ولذلك لم تعد الضريبة في الفكر الدستوري الحديث مجرد اقتطاع مالي، بل أصبحت تعبيرا عن عقد سياسي وأخلاقي بين الدولة والمواطن. فالمواطن يساهم في تحمل الأعباء العامة، والدولة تلتزم بالمقابل بتوفير الخدمات العمومية وضمان الأمن والاستقرار والعدالة الاجتماعية. غير أن العدالة الضريبية لا تقتصر فقط على حماية المواطن البسيط أو الطبقة المتوسطة من الإفراط في الضغط الجبائي، بل تقتضي أيضا مواجهة الوجه الآخر للمسألة، والمتمثل في التهرب الضريبي والتحايل الجبائي المنظم الذي تمارسه أحيانا بعض الفئات الاقتصادية الكبرى. فالعدالة الضريبية ليست فقط عدالة في الاستخلاص، بل هي أيضا عدالة في توزيع عبء المساهمة الوطنية. لذلك لا يمكن أن يستقيم منطق الدولة الدستورية إذا كان الموظف أو الأجير أو المقاول الصغير يؤدي ما عليه بشكل مباشر ومقتطع ومنتظم، في حين تنجح بعض الثروات الكبرى، عبر شبكات معقدة من الخبرة المحاسباتية والقانونية، في إخفاء جزء من أرباحها الحقيقية، أو تضخيم النفقات والتكاليف، أو تحويل الأرباح بين الشركات، أو الاستفادة من ثغرات قانونية تؤدي عمليا إلى تقليص مساهمتها الفعلية في تحمل الأعباء العامة. وقد أظهرت التجارب المقارنة أن أخطر ما يهدد الشرعية الضريبية، ليس ارتفاع الضريبة في حد ذاته، بل شعور المواطنين بأن القانون لا يطبق بالصرامة نفسها على الجميع. ففي فرنسا مثلا، شكلت فضائح التهرب الضريبي لكبار رجال الأعمال والشركات متعددة الجنسيات موضوع نقاش سياسي ودستوري واسع، كما أن الولايات المتحدة وألمانيا وإسبانيا شددت خلال العقود الأخيرة من آليات محاربة التهرب الضريبي باعتباره مساسا بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة. بل إن العديد من الدراسات الاقتصادية الدولية أصبحت تعتبر أن الخسائر الناتجة عن التهرب الضريبي تفوق أحيانا ما تحققه بعض الدول من إصلاحات ضريبية كاملة. وفي الحالة المغربية، يكتسب هذا النقاش أهمية خاصة، لأن كل درهم يضيع بسبب التهرب أو الغش أو التصريح غير الحقيقي بالأرباح، هو في نهاية المطاف درهم يحرم منه المستشفى العمومي أو المدرسة العمومية أو مشاريع البنية التحتية أو برامج الحماية الاجتماعية. ولذلك فإن العدالة الضريبية لا تتحقق فقط برفع نسب التحصيل أو توسيع الوعاء الضريبي، وإنما أيضا عبر ضمان مساهمة أصحاب الثروات الكبرى والأرباح الكبرى بما يتناسب مع قدرتهم الحقيقية على المساهمة، تطبيقا لمقتضيات الفصل 39 من الدستور الذي جعل تحمل التكاليف العمومية مرتبطا بالاستطاعة والقدرة الفعلية. والأخطر من ذلك أن استمرار التفاوت بين حجم الثروات المتراكمة وحجم المساهمة الضريبية الفعلية لبعض الفاعلين الاقتصاديين لا ينتج فقط اختلالا ماليا، بل يهدد أحد أهم أسس العقد الاجتماعي نفسه. لأن المواطن الذي يرى أن الضريبة تفرض عليه بصرامة بينما ينجو منها الأقوياء، لا يفقد ثقته في النظام الضريبي فقط، بل قد يفقد ثقته في فكرة العدالة ذاتها. وهنا تنتقل القضية من مجرد نقاش مالي أو محاسباتي إلى سؤال دستوري، يتعلق بالمساواة أمام الواجبات العامة وبمشروعية السلطة المالية للدولة. لقد كرس دستور 2011 المساواة في توزيع الأعباء الضريبية بشكل واضح. فالفصل 39 ينص على أن: «على الجميع أن يتحمل، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها». وهذا الفصل لا يؤسس فقط لواجب أداء الضريبة، بل يؤسس قبل ذلك لمبدأين دستوريين جوهريين: الأول، هو مبدأ الشرعية الضريبية، أي أن الضريبة لا تفرض إلا بموجب القانون، وليس بالإرادة المنفردة للإدارة. أما الثاني، فهو مبدأ العدالة الضريبية، الذي يقتضي أن يتم توزيع الأعباء العمومية وفق القدرة الحقيقية لكل مواطن على المساهمة. ولهذا السبب لا يؤدي الجميع الضريبة نفسها، ولا تخضع جميع الفئات للنظام الجبائي نفسه، بل يتم اعتماد الإعفاءات أو التخفيضات أو الأنظمة الخاصة لفئات معينة عندما تبرر ذلك اعتبارات اجتماعية أو اقتصادية أو تنموية، شريطة أن يتم ذلك وفق القانون وبشكل موضوعي لا يمس بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة. ومن جهة أخرى، فإن العدالة الضريبية لا تتوقف عند مرحلة فرض الضريبة أو تحصيلها، بل تمتد إلى مرحلة أخرى أكثر أهمية، وهي عدالة الإنفاق العمومي. فالمواطن لا يقيس الضريبة فقط بما يقتطع من دخله، وإنما بما يعود إليه من خدمات وحقوق وفرص. ومن هنا يبرز السؤال الدستوري الكبير: ما معنى أن يؤدي المواطن ضرائبه كاملة، ثم يضطر إلى اللجوء إلى التعليم الخاص لأن المدرسة العمومية لم تعد قادرة على أداء وظيفتها؟ وما معنى أن يساهم في تمويل الدولة، ثم يجد نفسه مجبرا على تحمل تكاليف العلاج في المصحات الخاصة بسبب ضعف العرض الصحي العمومي؟ وما معنى أن يؤدي الضرائب والرسوم المختلفة، ثم يضطر إلى اقتناء سيارة خاصة لأن منظومة النقل العمومي لا توفر له الحد الأدنى من الكرامة والفعالية؟ في مثل هذه الحالات، لا يعود النقاش متعلقا فقط بالجباية، بل يصبح مرتبطا بمفهوم أوسع هو العدالة التعاقدية بين الدولة والمواطن. ولهذا نجد أن دستور2011 لم يكتف بإقرار واجب المساهمة في التكاليف العمومية بموجب الفصل 39، بل ربط ذلك بمنظومة كاملة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. فالفصل 31 يلزم الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة الوسائل المتاحة، لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتعليم والتكوين والشغل والسكن اللائق والتنمية المستدامة. كما أن الفصل 40 يقرر أن الجميع يتحملون بصفة تضامنية التكاليف الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث والأزمات التي تصيب البلاد. أما الفصل الأول فقد جعل من ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد الأسس الكبرى للنظام الدستوري. وهنا تكمن إحدى أهم القضايا الدستورية المعاصرة: إذا كان المواطن مطالبا بأداء الضريبة باعتبارها واجبا دستوريا، فإن الدولة مطالبة بدورها بتحويل تلك الضريبة إلى حقوق ملموسة وخدمات عمومية ذات جودة. فالضريبة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتمويل المصلحة العامة. والحكومة لا تقاس فقط بقدرتها على التحصيل، بل كذلك بقدرتها على إعادة توزيع ثمار ذلك التحصيل بشكل عادل ومنصف ووفق سياسات عمومية ناجعة. وقد شهدت تجارب دولية عديدة هذا النقاش. ففي دول الشمال الأوربي، حيث ترتفع الضريبة بشكل كبير، يقبل المواطن بذلك لأنه يرى أثرها المباشر في المدرسة العمومية والمستشفى العمومي والنقل العمومي والحماية الاجتماعية. أما حين تتسع الفجوة بين ما يؤديه المواطن وما يحصل عليه من خدمات، فإن النقاش لا يعود ماليا فقط، بل يتحول إلى نقاش حول الثقة والشرعية والعدالة. حين يتكلم الدستور في موضوع الضريبة، فإنه لا يتحدث عن مجرد واجب مالي يفرضه القانون، وانما عن أحد أعمق أركان العقد الدستوري الذي يربط الدولة بالمواطن. فالضريبة في جوهرها ليست اقتطاعا من الثروة، بل مساهمة في بناء الوطن وتمويل المصلحة العامة وضمان استمرارية الدولة ومؤسساتها. غير أن هذا الواجب الدستوري لا يقوم على منطق الإلزام وحده، وإنما على منطق التوازن والتكافؤ. فكما يلتزم المواطن بالمساهمة في تحمل الأعباء العامة وفق قدرته واستطاعته، تلتزم الدولة بالمقابل بتحويل هذه المساهمة إلى أمن وعدالة وتنمية وخدمات عمومية ذات جودة تحفظ الكرامة وتصون الحقوق وتعزز الثقة في المؤسسات. كما أن العدالة الضريبية تفقد جزءا كبيرا من مشروعيتها عندما تتحول إلى عبء ثابت على الفئات الملتزمة بالقانون، بينما ينجح بعض أصحاب الثروات الكبرى والأرباح الضخمة في الإفلات من نصيبهم العادل من المساهمة الوطنية عبر التهرب أو التحايل أو إخفاء الأرباح الحقيقية. فالدستور لم يجعل الضريبة عقوبة على الضعفاء، ولا امتيازا يتفاوض حوله الأقوياء، بل جعلها تعبيرا عن المساواة في تحمل الأعباء العامة وعن التضامن الوطني بين جميع مكونات المجتمع. وعندما تتحقق هذه المعادلة فقط، تصبح الضريبة أكثر من مورد مالي للدولة؛ تصبح عنوانا للثقة بين المواطن ومؤسساته، وتجسيدا عمليا لفكرة المواطنة الدستورية. أما حين يختل التوازن بين ما يؤديه المواطن وما يحصل عليه، أو بين من يؤدي ومن يتهرب، فإن القضية لا تعود مجرد مسألة جبائية، بل تتحول إلى سؤال أكبر يتعلق بالعدالة والإنصاف ومشروعية العقد الذي تقوم عليه الدولة نفسها. (*) أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة كلية الحقوق اكدال - الرباط