عدم التقيد بالكميات المطلوبة واستعمالها العشوائي ومنتجات تغرق أسواقا وتشكل خطورة على المستهلك يشكل استعمال المبيدات في المجال الزراعي تحديا حقيقيا، سيما مع صعوبة التحكم فيه، ما يدق ناقوس الخطر للتصدي له والحد من العشوائية في التعامل معه. والمبيدات الحشرية أو مبيدات الآفات الزراعية وهو اسمها العلمي هي مواد تقضي على الحشرات والفطريات والأعشاب الضارة والبكتيريا، ويتمثل دورها في القضاء على كل العناصر التي تفسد المنتجات وحمايتها من مختلف الأضرار. وتعد المبيدات سلاحا ذا حدين فهي في الآن ذاته مهمة للحصول على منتج بجودة عالية، إلا أن انعكاساتها تكون سلبية حين يتعلق الأمر بعدم التقيد بدفتر التحملات والمعايير الدولية خاصة عند تطبيقها من قبل الفلاحين الصغار والمتوسطين. ويطرح الاستعمال العشوائي للمبيدات الزراعية عدة تساؤلات منها ما هي أسباب استمراره؟ وما هي تأثيراته وانعكاساته الصحية والبيئية؟ وما هي التدابير القانونية الواجب اتخاذها لوضع حد له؟ وكيف يمكن تدبير الأسواق غير المهيكلة في ظل عدم توفر الآليات والموارد البشرية الكافية للمراقبة؟ إنجاز: أمينة كندي المبيدات ومفردها "مبيد"، مشتق من الإبادة أي القتل لكل شيء حي، يقول الخراطي، موضحا "المبيدات أنواع منها التي تقضي على الحشرات وأخرى على النباتات وأخرى على الفطريات إلى غير ذلك"، وغالبا ما يتم استعمال المبيدات في الفلاحة لمحاربة الطفيليات وضمان المحصول الزراعي في الحقل وعند التخزين، كما استعملت في الصحة لمحاربة البعوض والحشرات الزاحفة والطائرة. غياب التحكم بسبب التهريب يعرف سوق المبيدات ترويج أموال طائلة من العملة الصعبة، يؤكد بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك لـ"الصباح"، مضيفا "إن المغرب يستورد جميع احتياجاته وفق ما هو متعارف عليه واعتمادا على المعايير الدولية، لكن هناك سوق سوداء خارج السيطرة". وأكد الخراطي أن استيراد أنواع خطيرة من المبيدات رغم منعها من قبل "أونسا" أو استيراد منتجات تقترب صلاحيتها من النهاية وبيعها عن طريق التهريب يجعلان من السوق المغربي معقدا ويزيدان صعوبة التحكم فيه وضبط ما يتم ترويجه من منتجات. وحذر الخراطي من الاستعمال العشوائي للمبيدات، مؤكدا "الفلاح يعتبر أن الزيادة في الجرعة ستعطي نتائج إيجابية وعدم معرفة استعمالها حسب التوقيت واتجاه الرياح ونوعية المبيد يساهم بوجود المبيد على أو في المحصول مما ينتقل إلى المستهلك، ويسبب له تسمما مزمنا لا تظهر أعراضه إلا بعد مرور 5 سنوات". ورغم أنه حاليا يسهر "أونسا" على مراقبة السوق المنظم لبيع المبيدات حتى تصل إلى مستوى البائع، إلا أنه بعد ذلك تعم الفوضى فيه، يقول الخراطي، موضحا "للأسف كل من هب ودب يتاجر في المبيدات". خطر تلوث الهواء عرف المغرب استعمال المبيدات عندما قامت السلطات بمحاربة القمل بعد ظهور الطاعون، يؤكد الخراطي، مشيرا إلى أنه لم تظهر أعراضها على الإنسان إلا بعد ملاحظة ظهور سرطان عند الفلاحة الأكثر استعمالا لها بعد مرور أكثر من 5 سنوات. وسجلت كثير من حالات التسمم الحاد عند تناولها خطأ أو عمدا أو استعمالا في الحرب أيضا (استعمالها من قبل الإسبانيين والفرنسيين ضد مقاومي الاحتلال بالمناطق المغربية الريفية). وتصيب المبيدات جهاز المناعة وتسبب فقر الدم ومشاكل في الجهاز التنفسي كما أظهرت بعض الدراسات تسببها في تشويه الأجنة وانخفاض الخصوبة عند الرجال. وأصبحت المبيدات موجودة في الهواء، سيما أن دراسة بألمانيا بمدينة فرانمفود أظهرت وجود أكثر من ثلاث جزيئات مختلفة في المنازل، ومن أسباب انتقالها تلوث الأحذية بالشوارع، أما الدواوير أو المساكن الموجودة قرب الحقول الفلاحية فكميات كبيرة تلوث الهواء. هذه الظاهرة، يؤكد الخراطي، يمكن تسجيلها بمدينة الرماني باعتبارها نموذجا لبروز هذا التلوث خلال معالجة حقول الحبوب. بقاياها تشتغل بدلا من الهرمونات تؤدي المبيدات إلى تسممات على المدى البعيد وتلعب أدوارا سلبية على الصحة، إذ بعضها تؤدي بقاياه إلى تشويش على الهرمونات. ولهذا فالبقايا إما تشتغل بدلا من هرمونات الشخص أو تمنعها من أداء وظيفتها ما يؤدي إلى مشاكل في الغدة الدرقية والعقم وأمراض أخرى، يؤكد الدكتور الطيب حمضي، طبيب باحث في النظم والسياسات الصحية ل"الصباح". وأثبتت عدة دراسات أن أنواعا من المبيدات لها علاقة بأمراض الجهاز العصبي مثل "باركينسون" وأخرى يكون لها مفعول مسرطن، خاصة سرطاني الدم والمثانة. ويمكن تحديد خطورة المبيدات في ثلاثة مستويات، أولها التراكم الحيوي، حيث تدخل جسم الإنسان وتختلط مع الدهون وتذوب فيها ولا يتم التخلص منها عن طريق التبول، بل تخزن وبعد فترة تنتشر في كافة أنحائه. أما ثاني أنواع الخطورة، حسب الدكتور حمضي، فهي "المبيدات سيستيمك"، التي لا تبقى في السطح ويتم التخلص منها عن طريق غسل الخضر أو الفواكه، وإنما تخترق الحبة من الداخل وتصبح جزءا لا يتجزأ منها. وفي ما يخص المستوى الثالث من الخطورة فيتمثل في فترة الأمان، التي ينبغي فيها استعمال المبيد المسموح به والجرعة الموصى بها وكذلك احترام المرحلة ما بين وضعه وجني المنتوج. تأثيرات الجرعات الزائدة لابد من التمييز بين مبيدات ممنوعة لا يجب استعمالها في الفلاحة مطلقا ومبيدات مستعملة بجرعات أكثر مما هو مسموح به، كما أن من مشاكل استعمالها في أوقات غير مسموح بها، مثلا الفترة بين وضعها وجني المنتج، إذ هناك بعض الفلاحين الذين لا يحترمون ذلك. "لابد أن نعرف أن غسل الخضر أو النعناع لا يقضي على جميع المبيدات أبدا، فهناك أنواع تكون في السطح يمكن التخلص منها وأخرى تعرف باسم "سيستيميك" تدخل إلى قلب الفاكهة أو الخضر أو النبات"، يقول الدكتور حمضي، موضحا "ينبغي التمييز بين التسمم حين يكون حادا ويتعلق الأمر بكمية كبيرة وهي حالات نادرة، بينما حين ينتشر أكثر يتعلق الأمر بالتسمم المزمن الناتج عن مفعول تراكمي وهو جرعة صامتة تؤدي إلى ظهور أمراض". والجرعة من المبيدات التي قد تؤدي إلى تسمم خفيف عند البالغ قد تكون نفسها قاتلة عند الطفل، يقول الدكتور حمضي. وفي المغرب ينبغي أن يتم العمل بنظام "تراسابيليتي" أي التتبع لما يتم شراؤه، يقول الدكتور حمضي "لابد أن نعرف "ربطة النعناع"، التي نستهلك وحبة التفاح أين تم إنتاجها مثل أي دواء أو أي منتوج آخر يدخل جسم الإنسان". واعتبر الدكتور حمضي أن عملية التتبع تساعد على ربط المسؤولية بالمحاسبة لكل من خالف الاستعمال وفق القوانين المتعارف عليها للمبيدات الزراعية واحترام الشروط الصحية في السلسلة بأكملها. ويرى الدكتور حمضي أن المراقبة الصحية في المزارع لا تشكل تكلفتها إلا جزءا ضئيلا جدا من الكلفة التي يتطلبها تحمل مصاريف علاج أمراض مزمنة ناتجة عن الاستعمال العشوائي للمبيدات. أنواع ترش على المنتجات بعد قطفها تطرح الإشكاليات المرتبطة بالمبيدات بقوة في المغرب خاصة في المنتوج المحلي، مادام الحرص على احترام الحد الأقصى المسموح به من بقايا الآفات الزراعية يراعى بدقة في المنتجات الموجهة للتصدير لفائدة الاتحاد الأوربي، يقول نوفل أحيدار، مهندس دولة في مجال الصناعة الزراعية والغذائية لـ"الصباح". ومن بين الأسباب الرئيسية التي يتم فيها رفض منتجات، مثل الطماطم من دخول الأراضي الأوربية، أنه في بعض الحالات تتعدى نسبة المبيدات ما هو مسموح به، يؤكد أحيدار، مضيفا "وفيما يخص المنتجات الموجهة إلى السوق المغربي فهي الأكثر إثارة للجدل ليس فقط أثناء عملية الإنتاج، وإنما حتى بعد طرحها للبيع، فهناك تجار يرشون مبيدات بعد القطف لمواد سريعة التلف مثل الخوخ للحفاظ عليها مدة أطول". وأكد أحيدار صعوبة مراقبة المنتوج خاصة الفلاحة التقليدية لأن "أونسا" رغم مجهوداته غير قادر على إحصاء جميع الفلاحين، ولهذا نجد في الأسواق نسبة كبيرة من المحاصيل الفلاحية لا تحترم شرط الحد الأقصى من استعمال الآفات الزراعية. "وربما إذا اتجه "أونسا" إلى سوق أسبوعي في إطار تكثيف المراقبة وأخذ عينات سيجد نسبة مرتفعة لمواد تتجاوز ما هو مسموح به"، يقول أحيدار. ويتولى المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية "أونسا" تحديد ما يسمى "إل إم إر" والحد الأقصى المسموح به من بقايا المبيدات وإنجاز عدة تحاليل بأخذ عينات من المنتجات وملاحظة النسبة المتبقية فيها ويقارنها بالنسبة المسموح بها عالميا المقدمة من قبل "الكودكس العالمي" أو الاتحاد الأوربي. ويعمل "أونسا" كذلك على تحيين لوائح المواد الخطيرة بناء على نتائج اختبارات تؤكد أن بعض الأنواع من المبيدات تعد منتجات مسرطنة فيتم حظر استعمالها في المغرب. ضريبة الرفع من الإنتاج الوطني منذ 2008 انخرطت عدة شركات مغربية في استيراد عدة مواد فعالة. وحسب المصادر التقنية والعلمية والتجارب الميدانية، فإن المغرب لديه أكثر من 240 مادة فعالة تستعمل في عدة مبيدات سواء "مواد فعالة استباقية" للحفاظ على النباتات أو "منتجات سيستيميك"، يقول كمال أبركاني، خبير في العلوم والهندسة الزراعية بالكلية المتعددة التخصصات جامعة محمد الأول ومنسق ماجستير علوم البيولوجيا وحامل لعدة مشاريع أورومتوسطية وأوربية ودولية في البحث الزراعي والإنتاج النباتي. وانخرط المغرب في الرفع من الإنتاج منذ بداية برنامج المغرب الأخضر في 2008 ودام عشر سنوات وبعده برنامج "الجيل الأخضر"، بهدف جعل الفلاحة محركا اقتصاديا وطنيا ما مكن الدولة من الاستثمار فيه للرفع من الناتج الوطني الإجمالي والسيادة الغذائية الوطنية ودعم التصدير وتفعيل الشراكات مع الفاعلين الدوليين، يؤكد أبركاني. واستهدف البرنامج، حسب أبركاني، عدة مشاريع فلاحية منذ سنوات في عدة قطاعات، منها إنتاج أو خدمات مرتبطة بها، مضيفا "إلا أن الإنتاج له ضريبة تتجلى في استعمال المبيدات الزراعية الخاصة بالبكتيريات والفيروسات الحشرية والخاصة بالأعشاب، حيث من الصعب جدا الاكتفاء بزراعات لا يمكن أن تعتمد عليها". وإذا كان الفلاح الكبير يحترم دفتر التحملات لتوفره على فريق تقني يفهم طبيعة المواد ويستعمل المبيدات مع احترام الآجال قبل الجني، وكذلك الشأن للمصدرين الذين يحترمون بشكل جيد سلاسل الإنتاج ويعتمدون تحاليل دقيقة للمواد قبل وصولها إلى الأسواق الخارجية، فإن تطبيقها على الصعيد الوطني يعتبر معادلة صعبة. "تواجه إرادة الدولة إشكاليات وعوائق ميدانية تحول دون ذلك الاستعمال الصائب للمبيدات، ومنها أنه أغلب سلاسل الإنتاج غير مهيكلة ومن الصعب جدا تحسيس المزارع لترشيد استعمالها"، يقول أبركاني، مؤكدا أن العامل التجاري يطغى على العامل البيئي حسب تجارب ميدانية. وتبعا لذلك، فإنه خلال السنوات الأخيرة أصبح المغرب يشدد الرقابة على الإنتاج الزراعي الداخلي، من خلال مكتب "أونسا".