اقتصاد موسمي عبد الواحد كنفاوي خلف البعد الروحي العميق للاحتفاء بشعيرة عيد الأضحى، يختبئ اقتصاد موسمي مهم يمتلك القدرة، ولو لبضعة أسابيع، على امتصاص مؤقت لنسبة من البطالة، وتوفير آلاف فرص الشغل التي تشكل متنفسا ماليا حقيقيا لشريحة واسعة من الشباب والأسر الهشة. وتتحول الحركية التجارية في الشوارع والأسواق المغربية، مع اقتراب شعيرة عيد الأضحى، من مجرد استعدادات لطقس ديني واجتماعي، إلى دينامية اقتصادية قائمة الذات، تضخ دماء جديدة في شريان الاقتصاد المحلي. القيمة المضافة لعيد الأضحى لا تقتصر على مربي الماشية "الكسابة" وتجار الأضاحي، بل تمتد لتشمل سلسلة قيمة متكاملة ومتشعبة، تبدأ من نقط البيع وتستمر حتى بعيد العيد. وهكذا تنشط، بالموازاة مع الحركية التي تعرفها أسواق الماشية، مهن حيوية ترتبط بتوفير خدمات النقل والعلف وإيواء الأضاحي في "فنادق" مؤقتة بالأحياء الشعبية، إذ يجد الكثير من الشباب عملا يوميا في حراسة الأكباش وتغذيتها. ويعرف قطاع النقل ذروة نشاطه عبر نقل الأضاحي من الأسواق الأسبوعية إلى المدن الكبرى، محولا شاحنات وعربات صغيرة إلى وسائل كسب ومصادر دخل. وتنتعش بعض الخدمات ذات الصلة بهذه المناسبة، مثل شحذ السكاكين، ونقل الأضحيات من الأسواق وإيوائها، لفائدة الأسر التي لا تتوفر على متسع لإيواء الأضحية إلى حين ذبحها. وقبل كل ذلك، تعرف أسواق التوابل وأدوات المطبخ الحادة والمجمدات والثلاجات والأفرنة رواجا ملحوظا، خلال الأيام التي تسبق العيد، ما يساهم في إنعاش رقم المعاملات المرتبط بهذه المناسبة، والذي لا يدخل في حسابات وزارة الفلاحة، التي تقتصر، فقط، على مبيعات الأضحيات. ويمثل يوم العيد ذروة هذا الاقتصاد الموسمي، إذ تبرز مهنة الجزارة الموسمية بذبح الأكباش، علما أن هناك أشخاصا لا تربطهم أي صلة بمهنة الجزارة، يتجولون صبيحة العيد بالأحياء والأزقة لعرض خدمة الذبح على الأشخاص الذين يصعب عليهم إتمام المهمة بأنفسهم، تلي ذلك مهن تكميلية، مثل شي الرؤوس وجمع وتثمين الجلود. كما تنشط محلات الجزارة في اليوم الموالي للنحر، إذ تستقبل الأضحيات المذبوحة للتكفل بتجزيئها، حسب حاجيات الزبناء ومطالبهم، ما يمكن أصحاب هذه المحلات من مداخيل مهمة. إن هذا الرواج الاستثنائي يعكس بوضوح مرونة الاقتصاد غير المهيكل وقدرته على إبداع مجموعة من أشكال التضامن الاجتماعي، من خلال توفير فرص شغل ذاتية وسريعة. ورغم أن هذه المهن تظل موسمية ومحدودة في الزمن، إلا أن أثرها السوسيو-اقتصادي يظل بالغ الأهمية، فهي لا تدعم القدرة الشرائية للأسر، خلال فترة العيد فحسب، بل تحرك عجلة رواج تجاري داخلي يعود بالنفع على السلسلة الاقتصادية الوطنية برمتها، ليثبت عيد الأضحى مرة أخرى أنه ليس مجرد مناسبة للاحتفال، بل هو منظومة متكاملة لإعادة توزيع الدخل الوطني من المدن نحو القرى، ومن الفئات الأكثر غنى نحو الفئات الأكثر احتياجا.