يعانون اضطرابات نفسية وعزلة اجتماعية والحياة المعاصرة تذيب الروابط الإنسانية في خضم التحولات الاجتماعية الكبرى، التي يعيشها المغرب والمغاربة في العقود الثلاثة الأخيرة، تطرح أسئلة عميقة حول الصحة النفسية للأطفال، في وقت انهارت فيه المؤسسات التقليدية، التي تربى داخلها جيل الآباء والأجداد، ما يعقد مهمة ومسؤولية التربية. وتشير الأرقام الرسمية رغم ندرتها في هذا الباب، إلى أن حوالي 20 في المائة من الأطفال المغاربة، يعانون اضطرابات نفسية، من قبيل القلق والتوتر والاكتئاب والعزلة الاجتماعية، وغيرها من المشاكل، التي لم تكن تجد موطئ قدم لها في حياة الأطفال في العقود الماضية نسبيا. وتتعدد العوامل والأسباب المؤدية إلى تردي الأوضاع النفسية لجزء مهم من الأطفال المغاربة، ومنها الانغماس غير المدروس في استهلاك التكنولوجيا والوسائل الرقمية، خاصة أن الطفل اليوم يولد وبين يديه جهاز إلكتروني واحد على الأقل، سواء تعلق الأمر بالهاتف أو اللوحة الإلكترونية أو الحاسوب أو التلفاز أو جهاز الألعاب الإلكترونية. وبما أن الأنترنت مجال يؤمن أكثر بالحرية، والتقيدات التي يضعها على المحتوى ما تزال محتشمة، ولا تطبق على جميع المنصات، بسبب جشع شركات الإعلانات والمنافسة الشرسة بينها، فإن الأطفال معرضون أكثر من غيرهم للأذى في كل دقيقة يقضونها على تلك المنصات، بسبب كمية الرسائل السلبية التي تمرر فيها، وحجم العنف الذي يصرف في مقاطع الفيديو أو بعض الألعاب. وساهمت الحياة المعاصرة التي يعيشها مغاربة المدن على وجه التحديد بشكل كبير في تنامي الظاهرة، إذ أن الأطفال الذين كبروا وسط بيئة متنوعة، تضم جميع أفراد العائلة والجيران وسكان الحي أو الدوار أو الحومة، استطاعوا تنمية قدراتهم الاجتماعية وثقتهم بأنفسهم، عكس أطفال العقود الأخيرة. ويشكو كثيرون من ظاهرة مثيرة للجدل، تتمثل في أن الأطفال "فقدوا القدرة على الكلام"، هذا لا يعني أنهم أصبحوا عاجزين عن النطق، لكنهم عاجزون عن التعبير وإنتاج المعنى، بسبب الضعف الكبير في المهارات الحوارية والاجتماعية، التي لم يتدربوا عليها في نشأتهم، إذ كيف يمكن مقارنة طفل نشأ وسط أبويه وإخوته وأطفال العائلة والجيران، وينسج علاقات مع أشخاص عمره وأصغر منه وأكبر منه، وطفل يعتبر الهاتف صديقه الأول، ولا يحظى بوقت طويل مع أفراد أسرته، بسبب انشغالاتهم المهنية الكثيرة. عصام الناصيري