ثقب أسود عبد الواحد كنفاوي "صنع في المغرب" و"الحماية التجارية والجمركية" وأخيرا خارطة طريق قطاع التجارة الخارجية للفترة 2025-2027، برامج تعددت وإجراءات تنوعت مسمياتها والنتيجة واحدة. الإخفاق في تحقيق الأهداف واستمرار نزيف العملة الصعبة بسبب الاختلال بين الصادرات الواردات. إن فشل المقاربات الحكومية يتجلى بوضوح في عدم قدرتها على إحداث قطيعة مع اقتصاد الاستهلاك المستورد، إذ رغم الحديث المتكرر عن تشجيع المنتوج الوطني، لا تزال الأسواق المغربية غارقة في سلع أجنبية كان من الممكن إنتاجها محليا بجهد تقني وتمويلي بسيط. إن الحماية الجمركية، التي يجب أن تكون درعا لحماية النسيج المقاولاتي الوطني، لا تزال تتأرجح بين ضغوط الاتفاقيات الدولية وضعف الجرأة في اتخاذ قرارات سيادية تحمي الأولوية الوطنية من المنافسة غير المتكافئة، وتحكم لوبيات الاستيراد القوية في السياسة الجمركية، ما تعكسه الإجراءات المتضاربة في المجال. وأصبحت مصالح بعض المستوردين تتحكم في تحديد الحواجز الجمركية، إذ في وقت يسعى فيه المغرب إلى ضمان سياته الدوائية، من خلال تشجيع الصناعة الوطنية، نجد الحكومة الحالية تقرر دون أي منطق تخفيض الواجبات الجمركية على واردات الأدوية، بعدما دخل فراقشية "الياقات البيضاء" إلى المجال. وأنجزت دراسة في إطار استبدال الواردات بمنتوجات محلية الصنع، خلال 2019/2020، في فترة كنا بحاجة إلى توفير احتياجاتنا بشكل ملح، بسبب أزمة كورونا وما نتج عنها من اختلالات في سلاسل التموين، وتم تحديد 34 مليار درهم من الواردات يمكن استبدالها بإنتاج محلي. وكان يفترض أن ينعكس هذا البرنامج على الواردات ويساهم في تقليص الهوة بين الصادرات والواردات والحد من نزيف العملة الصعبة بسبب العجز التجاري، لكن معطيات مكتب الصرف تؤكد أن العجز التجاري عرف ارتفاعا، ما بين 2020 و2024، بأزيد من 90 في المائة، وتراجع معدل تغطية الواردات بالصادرات، خلال الفترة ذاتها، بأكثر من نقطتين. أما شعار "صنع في المغرب"، فقد ظل في كثير من الأحيان حبيس الحملات التواصلية، دون أن يرافقه إصلاح حقيقي لمنظومة الإنتاج وتخفيض تكلفة الطاقة واللوجستيك التي تنهك تنافسية المقاول الوطني. إن تشجيع الصادرات لا يمكن أن ينجح عبر الدعم المعزول، بل يتطلب ثورة حقيقية في سلاسل التوريد، وتحفيزات ضريبية وجمركية مرتبطة حصريا بالقيمة المضافة المحققة محليا وبقدرة المقاولة على اقتحام الأسواق الدولية. إن استمرار نزيف الميزان التجاري يعطي إشارة إنذار قوية، فالمطلوب اليوم ليس تعديلات تقنية، بل إرادة سياسية تقطع مع ريع الاستيراد السهل والربح السريع، الذي ينعش الخزانات. إن السيادة الاقتصادية تبدأ من "سلة المشتريات" وتنتهي بميزان تجاري متعادل. وبدون الانتقال إلى مرحلة "الإنتاج الأذكى" وتقليص التبعية للواردات الغذائية والطاقية التي تستنزف وحدها أزيد من 150 مليار درهم سنويا، سنظل نراوح مكاننا متفرجين على ثروة وطنية تتبخر في تمويل نمو وازدهار اقتصادات الآخرين. وهكذا يتحول العجز التجاري إلى ثقب أسود يمتص ثمرات النمو لإنعاش اقتصاديات الشركاء الاقتصاديين للمغرب.