إحالة 21 شخصا على التحقيق والبحث متواصل مع رجال سلطة أطاح انهيار عمارتي حي المستقبل بفاس وتناسل البناء العشوائي به منذ خروجه للوجود على أنقاض حي صفيحي، برؤوس كبيرة، فيما يضع مسؤولون في السلطة والمقاطعة وإدارات أخرى، أياديهم على قلوبهم خوفا، في انتظار ما ستؤول إليه الأبحاث في ملف ضخم لم تطو فيها الأبحاث رغم إحالة المجموعة الأولى على التحقيق. 21 متهما يحقق معهم تفصيليا ابتداء من يوم 5 ماي الجاري، قاضي التحقيق بالغرفة الأولى باستئنافية فاس المكلف بالجرائم المالية، ثمانية منهم مودعون بسجن بوركايز. ولائحة المتهمين لم تغلق بعد في ملف لم يطو نهائيا كما جرح مؤلم لقلوب أسر فقدت 22 شخصا من أفرادها في حادث محفورة ذكراه الأليمة في عقولهم. إعداد: حميد الأبيض (فاس) - الصور لأحمد العلوي المراني حقائق صادمة كشفها بحث الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بولاية أمن فاس، لأشخاص أقبروا ضمائرهم الميتة وغلبوا مصالحهم الشخصية مراكمين ثروة خيالية على حساب سلامة مواطنين بسطاء، قضوا سنين باكواخ وضيعة، ويعيشون في «قبور" دنياهم المهددة لأرواحهم وتحت رحمة جدران أصبحت مصدر رعب يومي لأسرهم. استنطاق المتهمين الكتاب العموميون الثلاثة المحقق معهم في الملف من قبل قاضي التحقيق بالغرفة الأولى باستئنافية فاس، حرروا عقود بيع عقارات وفضاءات على بنايات قائمة بالحي فوق قطع أرضية مرخص ببناء طابقين فقط فوقها، ما استغله أصحابها لتعلية البناء وإضافة طوابق إضافية بدون رخصة بناء أو تفويتها بدون سند قانوني. وأنجزوا إجراءات مختلفة لنقل ملكية فضاء الهواء من البائع للمشتري وتوسطوا بين مستفيدين ومحام لتوثيق عقود ونسقوا مع موظفي مصلحة تصحيح الإمضاءات بالملحقة الإدارية المسيرة، لتسهيل عملية المصادقة وتصحيح الإمضاء، مقابل عمولة مالية متفاوتة، وأحدهم أكد تعامله مع مستشارين يمتلكون عقارات وفضاءات يفوتونها. وذكر كاتب عمومي متهم، اسم نائب ثان لرئيس المقاطعة قال إنه «يحظى بنفوذ وعلاقات بجميع المصالح الإدارية ويمتلك العديد من العقارات ببنسودة والمسيرة"، مؤكدا أنه يتكلف بتحرير كل عقود نقل ملكيتها من بيع وكراء دون حضوره الشخصي في مجلس العقد، و"يستغل علاقاته ونفوذه لتصحيح إمضاءات العقود". الفرقة الجهوية لم تستمع لهؤلاء فحسب، بل استنطقت ممثلي السلطة حول ضلوعهم في التغاضي عن البناء العشوائي وتلقيهم مبالغ مالية رشوة نظير ذلك. واستمعت أيضا لموظفي مصلحة تصحيح الإمضاء وواجهتهم بحقيقة تصحيحهم إمضاء مجموعة من العقود العرفية وعقود بيع محررة من قبل محام بهيأة فاس لبيع طوابق عشوائية. واستنطقت أيضا صاحب بناية منهارة بناها دون احترام المعايير الهندسية والتعميرية من إسمنت وخرسانة قبل أن يستعين بمهندس ويبيع الطابق الخاص به ونصف فضاء السطح المبني بشكل عشوائي، ما جعل البناء الأصلي فيه عيوب وساهم في انهيار البناية وأخرى قربها، مخلفين 22 قتيلا و16 جريحا في حادث أليم. تقارير مهندسين انطلق البحث بعد ساعات من انهيار العمارتين وإحصاء عدد ضحاياه من الموتى والجرحى. وأجرت الفرقة تفتيشا لمحلات كتاب عموميين وأخذت تصريحات أشخاص في حي المستقبل أكدوا تشييد طوابق إضافية دون الحصول على رخص قانونية أو احترام المعايير الجاري بها العمل، ودون مراعاة خطر ذلك على سلامة السكان وأمن الحي. وعاينت الفرقة ذاتها 111 بناية بطوابق إضافية عشوائية أكد مصرحون تورط أعوان السلطة بالمنطقة في التغاضي عنها مقابل رشاو، مفصلة في ظروف اقتنائهم البقع الأرضية وإضافة بناء عشوائي. وحصرت قائمة طويلة تتضمن معلومات دقيقة عن كل بقعة وبناية والمستفيد من عشوائية إنباتها وطوابق دون مراعاة سلامة قاطنيها. 3 مهندسين أنجزوا تصاميم معمارية موضوع العقود، استمع إليهم وأكدوا أنهم وجهوا مراسلات لشركة العمران بناء على زيارات ميدانية لتتبع الأشغال، قاموا بها ووثقوها بتقارير ومحاضر تتضمن أيضا المخالفات المرتكبة، مؤكدين طلبهم منها تمكين المستفيدين من تصاميم الخرسانة وضرورة حضور مكتب دراسات لتتبع الأشغال. المعنيون نبهوا لاستعمال مواد بناء سبق استعمالها واستعمال الحديد المستعمل من المتلاشيات، فيما أكد أربعة زملاء لهم أنهم سلموا تقارير مماثلة للشركة بشأن بقع ذكروها بأرقامها وأكدوا إضافة أصحابها طوابق عشوائية لتلك المرخصة، مؤكدين خطر الانهيار المهدد لها، لأن أساسها لم يشيد لتحمل طوابق أكثر من المرخصة. أما مهندس آخر فأكد أنه لم يتتبع الأشغال بعدما أشعر من قبل ممثلي شركة العمران أن مهمة التتبع ستنفذ من قبل تقنيين تابعين لها، فيما صرح زميله أن قطعا أرضية ذكرها بنيت عن طريق يد عاملة غير مؤهلة وكانت المواد الأولية المعتمدة في البناء "رديئة"، مشيرا إلى إشعاره الشركة بذلك بموجب تقارير. مراكمة الثروة يملك شيخ حضري يحقق معه قطعة أرضية ممتدة على مساحة 4 هكتارات فوقها سكن وإسطبل وبها مسبح محاط بغرف للإيجار. ويستغل 7 هكتارات متفرقة من أراض فلاحية بمنطقة جنان سايس، جزء من ثروة راكمها في فترة اشتغاله، المساءل عنها لاشتباه تورطه في غض الطرف عن تناسل بنايات عشوائية في دائرة نفوذه. وأكد بعض قاطني حي المستقبل المستمع إليهم مصرحين، أنه وزميلاه المقدمان، تسلموا مبالغ مالية تراوحت بين 5 آلاف درهم ومليون سنتيم مقابل تغاضيهم عن بناء طوابق عشوائية في 111 بناية أجريت معاينة لها، ما يجعل المبلغ التقديري الذي استفادوا منه، متراوحا بين 555 ألف درهم ومليون و110 آلاف درهم. لم يكن أعوان السلطة وحدهم منتفعين من "كعكة" غض الطرف عن البناء العشوائي منذ بداية تثبيت قاطني "البراريك" بالحي بدلا عن حي صفيحي بمنطقة عين السمن، بل انتفع أيضا متهمون آخرون راكموا ثروة وفوتوا على مصالح الجماعة وإدارات أخرى، مبالغ مالية مستحقة قاربت 34 مليون بالنسبة لرسوم رخص البناء. أما منتخبون ومقاولون فانتفعوا بدورهم من هذا الوضع المختل، منهم مقاول له سوابق في النصب والدعارة، استفاد من بقعة أرضية مساحتها 117 مترا مربعا بنى بطابقها السفلي محلات تجارية، واقتنى شققا ومتاجر عمل على كرائها قبل بيعها باستعمال عقود أنجزها كاتب عمومي استغل رأسيتي وخاتمي محاميين. الكاتب العمومي استغل علاقته بمستشارين جماعيين، أحدهما يصحح الإمضاء بملحقة المسيرة، في إنجازها مقابل ما بين 800 وألفي درهم ادعى تسليمها لمساعديه في كل عملية، دون أن يتوانى في تهديد موظفي الإمضاء بالتنقيل للعمل بمنطقة عين بوعلي، لجبرهم على تصحيح إمضاءات عقود للبيع والكهرباء المنجزة من قبله. استنطاق منتخبين شمل البحث منتخبين بمقاطعة زواغة، منهم رئيسها السابق من حزب العدالة والتنمية لم ينكر توقيعه رخصا للربط بشبكتي الماء والكهرباء في فترة انتقالية لم يحدد فيها نائبه المكلف بالتوقيع عليها. وأكد أنه لم يكن يتأكد من الضوابط القانونية المتبعة التي قال إن رئيس قسم التعمير والمكلف بهذه الرخص، مفترض تأكدهما منها. الرئيس رمى بكرة المسؤولية في مرمى الموظفين باعتبارهما مكلفين باتباع المساطر الخاصة بالتأشير على تلك الرخص، مؤكدا أن النائب المكلف لاحقا بالتوقيع عليها، لم يتبع بدوره توصيات مذكرة العمدة الأزمي الموجهة لرؤساء المقاطعات بشأن تسليم ومنح بعض التراخيص الإدارية، ومنها طلبات الحصول على رخص الماء والكهرباء. ولم ينكر التأشير على مجموعة رخص دون توفر أصحابها على رخص للسكن، مؤكدا اكتفاءه بقرار الاستفادة لمنحهم رخصا ربطوا بموجبها منازلهم بالكهرباء، فيما أقر خلفه الاستقلالي بوجود بنايات شيدت بشكل عشوائي، مؤكدا جهله بتاريخ بنائها، ناكرا تبليغه بذلك من قبل التقنيين بمصلحة التعمير أو أي جهة أخرى معنية بذلك. وأوضح أنه لم يعد أي تقرير بشأن العقارات العشوائية والمخالفة، مبررا تأشيره على رخص للربط بالماء والكهرباء بأن المسطرة تقتضي فقط الإدلاء بسند التملك وطلب ونسخة من بطاقة التعريف الوطنية ومعاينة تقني مكلف بالمراقبة. وأبرز أن تأشيره هو الأخير وأن جل البنايات المعنية بالطلبات لا تتوفر على رسوم عقارية فردية. وأنكر علمه بمذكرة العمدة الأزمي أو اطلاعه عليها، فيما واجهته عناصر الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بقرارات للاستفادة من البقع الأرضية في إطار برنامج محاربة دور الصفيح، ووجوب عدم قيام المستفيد بتفويت العقار إلا بعد رفع اليد من قبل شركة العمران التي اتضح أن مجموعة عقارات مفوتة، ما زالت مسجلة في اسمها. غسل الأموال رئيس المقاطعة الحالي يحقق معه في حالة سراح بعد إغلاق قاضي التحقيق بالغرفة الأولى الحدود في وجهه، كما نائبه الأول التجمعي الحالي والاستقلالي السابق، وعونا سلطة وزميلهما المتقاعد وعامل بناء وعون في ابتدائية وجدة ومتهم تخلف عن الحضور لحظة إحالة المجموعة الأولى على النيابة العامة المكلفة بالبت في الجرائم المالية. هؤلاء بين 21 متهما، ثمانية منهم معتقلون بسجن بوركايز، شرع في التحقيق معهم في 5 ماي الجاري بتهم «التسبب في القتل والجرح غير العمديين والإرشاء والارتشاء والتصرف في مال غير قابل للتفويت والمشاركة في ذلك وتسليم شهادات إدارية لشخص يعلم أنه لا حق له فيها والبناء بدون ترخيص وخرق ضوابط وقوانين التعمير". النيابة العامة تتجه أيضا لفتح بحث في شق جديد، يتعلق بشبهة غسل الأموال لتتبع العائدات المالية المتحصلة من الأفعال المنسوبة إليهم وكيفية تحويلها أو توظيفها للاشتباه في وجود ممتلكات منقولة وعقارية اقتنيت بطرق غير مشروعة مطلوبة مصادرتها والحسابات البنكية بعد تجميدها، في انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث الجارية. ويهم الأمر حاليا 21 متهما منهم موظف بمصلحة تصحيح الإمضاءات وعون للحالة المدنية بالمقاطعة وشيخان حضريان يتحدران من تاونات ومكناس وسائق سيارة أجرة وعامل بشركة للأمن الخاص ومياوم، يوجدون رهن الاعتقال، إضافة للمتهمين المسرحين، ومنهم مدير عام مساعد بشركة العمران و3 كتاب عموميين منهم امرأة. ولن يقتصر البحث في جريمة غسل الأموال على المتهمين فاعلين مباشرين، وقد تمتد قانونا لتشمل محيطهم العائلي وأقاربهم في حال ثبوت تورطهم في حيازة أو تبييض أموال متحصلة من أفعال مجرمة وعدم تبريرهم مصادر دخلهم وثروتهم، سيما أمام تداول أخبار عن بيع بعضهم عددا من ممتلكاتهم لزوجاتهم أو أقاربهم. رجال سلطة 14 رجل سلطة اشتغلوا بالملحقة الإدارية المسيرة، يضعون أياديهم على قلوبهم، خوفا من فضح الأبحاث تقاعسهم في محاربة البناء العشوائي وغض الطرف عن استفحاله، غالبيتهم قواد أولهم قضى 6 سنوات بها منذ تعيينه في 2003، قبل أن يخلفه زملاؤه تباعا لمدد متفاوتة إلى 2023، كما خلفاء قائد أحدهم قضى بها 9 سنوات. جميعهم وقائد لملحقة الدالية يشملهم البحث المتواصل بأمر قضائي، في انتظار إحالتهم على النيابة العامة لاتخاذ المتعين قانونا في حق كل من ثبتت علاقته باستفحال البناء العشوائي بحي المستقبل الذي عاينت الفرقة الجهوية للشرطة القضائية، به 111 بناية شيدت طوابق إضافية عشوائية بها، بما فيها العمارتان المنهارتان. زلزال مرتقب إطاحته برؤوس من السلطة سيحالون على النيابة العامة المختصة طبقا للمقتضيات القانونية المتعلقة بقواعد الاختصاص الاستثنائية سيما منها الفصل 268 من قانون المسطرة الجنائية الذي يحدد ظروف وكيفية متابعة بعض فئات رجال السلطة المشتبه في تورطهم في أفعال جنائية أو جنحية أثناء مزاولتهم مهامهم. بعضهم ذكرت أسماؤهم في اعترافات أعوان سلطة أكدوا تلقيهم نصيبهم من رشاو تراوحت بين 5 آلاف درهم ومليون سنتيم نظير التغاضي عن بناء طوابق عشوائية وصلت في أقصاها إلى 5 طوابق نبتت أمام أعينهم، مغلبين مصالحهم الشخصية على ما يفرضه الضمير المهني من يقظة وتدخل وإبلاغ عن كل الخروقات والتجاوزات. البحث كشف ضلوع مقدمين وشيوخ راكموا ثروة مهمة، أحدهم يملك ضيعة فلاحية شاسعة وآخر أقر بتسلم رشاو وجر للمساءلة قوادا ورؤساء الدائرة، باعتبارهم مكلفين بمراقبة أوراش البناء كما تقنيي الجماعة وأعوان شركة العمران ومهندسين بها، مؤكدا أن المراقبة اقتصرت على التأكد من توفر أصحاب البنايات على رخص بناء.