"مضاربات رقمية" وتعدد الوسطاء لإنهاك المستهلكين قبيل عيد الأضحى فضح الارتفاع المفاجئ وغير المبرر في أسعار عدد من المواد الغذائية، في الآونة الأخيرة، اختلالات واضحة في سلاسل التوزيع، ما أعاد إلى الواجهة ممارسات مضاربين تتكرر كلما اقتربت المناسبات الدينية، وعلى رأسها عيد الأضحى، فبدل أن تعرف الأسواق استقرارا أو انخفاضا بفعل وفرة العرض، كشفت تقارير ميدانية عن تفاوت كبير في الأسعار بين المدن، وارتفاعات تصل في بعض الأحيان إلى مستويات غير مفهومة بالنسبة إلى المستهلك. وأكدت جمعيات لحماية المستهلك أن هذا الوضع لا يرتبط بعوامل العرض والطلب فقط، بل يعكس خللا بنيويا في مسار تسويق المنتجات الفلاحية، حيث تمر المواد الأساسية عبر عدد كبير من الوسطاء، قبل وصولها إلى المستهلك، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار بشكل تدريجي. كما أن تعدد المتدخلين، في ظل ضعف آليات المراقبة، يفتح الباب أمام ممارسات غير شفافة في تحديد هوامش الربح. ونبه المرصد المغربي لحماية المستهلك إلى أن عدة مواد غذائية شهدت ارتفاعا ملحوظا قبيل عيد الأضحى، وعلى رأسها البصل، بسبب سلوكات المضاربين الذين يلجأ إليها بعض الفاعلين، خاصة خلال فترات الطلب المرتفع، موضحا أن بعض المتدخلين يعمدون إلى تخزين كميات محددة من هذه المادة وإعادة ضخها تدريجيا في السوق، ما يحدث ندرة مصطنعة ترفع الأسعار بشكل غير طبيعي. كما أشار المرصد إلى تأثير ما يشبه "المضاربة الرقمية"، حيث يتم الترويج عبر منصات التواصل الاجتماعي لأخبار حول نقص أو ندرة في العرض، ما يدفع المستهلكين إلى سلوك شراء ذعري يفاقم من الارتفاع. ويطرح هذا الوضع تساؤلات حقيقية حول من يراقب مسار هذه المواد من الضيعة إلى المستهلك، ومدى فعالية سلاسل التوزيع المنظمة في ضبط السوق. ولا يقتصر الأمر على البصل فقط، إذ سجلت أسعار مواد أخرى ارتفاعات لافتة، من بينها الطماطم والبطاطس وبعض أنواع اللحوم الحمراء، التي تعرف بدورها ضغطا متزايدا خلال الفترات التي تسبق الأعياد، إذ يرى مهنيون أن هذه الزيادات ترتبط جزئيا بارتفاع تكاليف النقل والتخزين، لكنها تتضخم بشكل أكبر بفعل تعدد الوسطاء والمضاربات داخل الأسواق. كما شملت الزيادات بعض المواد الأساسية الأخرى مثل الزيوت، حيث لاحظ المستهلكون تباينا واضحا في الأسعار بين الأسواق المحلية والمساحات التجارية الكبرى، ما يعزز فرضية وجود اختلالات في قنوات التوزيع. ويؤكد متتبعون أن غياب الشفافية في تتبع الأسعار يساهم في تعقيد الوضع، ويصعب على المستهلك التمييز بين السعر الحقيقي والسعر المضارب فيه. ويزيد من حدة هذه الظاهرة ضعف آليات المراقبة وغياب نظام رقمي فعال لتتبع مسار المنتجات، ما يفتح المجال أمام ممارسات غير منظمة تؤثر مباشرة على القدرة الشرائية. وفي المقابل، تتصاعد دعوات حقوقيين إلى تدخل عاجل من الجهات المعنية، عبر تشديد المراقبة على سلاسل التوزيع وفتح تحقيقات بشأن أسباب التفاوت الكبير في الأسعار، إلى جانب تفعيل آليات رقمية شفافة لتتبع المنتجات الفلاحية. ويجمع متتبعون على أن ما يحدث في سوق البصل لم يعد مجرد حالة معزولة، بل أصبح مؤشرا على اختلالات أعمق في بنية السوق الوطني، تستدعي إصلاحات هيكلية تضمن الشفافية وتحمي القدرة الشرائية للمواطن، خصوصا في الفترات الموسمية الحساسة. خ. ع