إرث حضاري صرح بوشعيب بنقرايو أن موضوع التسامح الديني ببلادنا، يشكل مدخلا أساسيا لفهم خصوصية الهوية الوطنية، التي لم تبن على شعارات ظرفية بل على تراكم تاريخي عميق وصيرورة مجتمعية مستمرة واستطرد موضحا "لقد ظل المغرب عبر العصور فضاء رحبا لتلاقي الديانات والثقافات، حيث لم يكن التعايش يوما خيارا مؤقتا، بل كان مكونا بنيويا في الشخصية المغربية، وبلادنا ظلت دوما تلك القلعة الحصينة التي آوت المظلومين والهاربين من محاكم التفتيش ومن الصراعات الدينية، وكانت الملاذ الذي يلتقي فيه المسلم واليهودي والمسيحي تحت سقف الوطن الواحد" وزاد موضحا "تقدم الجديدة نموذجا حيا لهذا الانسجام حيث تتجاور دور العبادة "، الكنائس مع المساجد وتختلط أصداء الآذان مع اجراس الكنيسة، حيث تختلط الرموز الدينية في فضاء واحد دون تنافر في إطار احترام وتسامح متبادلين، ويمكن التأكيد أن التسامح الديني في المغرب هو جين وراثي ثقافي جعل المملكة نموذجا يحتذى به في عالم يئن تحت وطأة التطرف والإقصاء ، ونحن المغاربة لا نمارس التسامح كواجب أخلاقي فحسب ، بل نعيشه كإرث حضاري انتقل من الأجداد إلى الأحفاد فالدين لله والوطن للجميع" فاعل تربوي صورة مشرقة أكد عبدالجبار فطيش أن المملكة المغربية تجسد صورة مشرقة للتلاحم بين مكونات شعبها المتعدد الثقافات والهويات ، وأن إمارة المؤمنين شكلت عبر التاريخ ركيزة أساسية للوحدة في إطار التنوع الثقافي الغني والمتماسك والمتسامح. وزاد الأمين العام للهيأة المغربية لحماية المواطنة والمال العام موضحا"نشهد أن الطائفة اليهودية المغربية باعتبارها جزءا أصيلا من النسيج الاجتماعي الوطني، عاشت في أزمور عبر التاريخ في انسجام وتعايش مع باقي مكونات المجتمع، وقد كان سكان أزمور والمدن المجاورة يشاركون الطائفة اليهودية،طقوسها واحتفالاتها الدينية، كما كانت هي بدورها تشاركهم مظاهرالحياة الدينية والاجتماعية، في إطار من التعايش السلمي والتآخي دون تمييز أوعنصرية، وذلك يدل قطعا على التسامح الديني للمغاربة" وختم فطيش"المغرب يظل بلد التعايش السلمي ويكفي للدلالة على ذلك وجود مزارات دينية متجاورة لمختلف المكونات الروحية ، حيث نجد في عدد من المناطق أضرحة ومقامات أولياء صالحين مسلمين، بجوار معالم ذات حضور يهودي تاريخي، كما هو الحال في محيط سيدي موسى وسيدي إبراهيم، وهو ما يعكس بوضوح عمق الانسجام الروحي والتاريخي داخل النسيج المغربي المتنوع ، وأن هذا التعايش المتجذر يظل شاهدا حيا على وحدة الهوية المغربية وتعدد روافدهافي إطار الاحترام المتبادل والعيش المشترك" الأمين العام للهيأة المغربية لحماية المواطنة والمال العام استقاهما: عبد الله غيتومي (الجديدة) قيمة متجذرة «إن التسامح الديني ثابت وراسخ لدى المغاربة، بل يعتبر قيمة أساسية متجذرة في ثقافتنا وتاريخنا المغربي. والمغرب معروف تاريخيا بالتسامح والتعايش بين الأديان، وفيه يعيش المسلمون والمسيحيون واليهود، جنبا إلى جنب، والدليل وجود أحياء الملاح المنتشرة في المدن المغربية العتيقة والقديمة. ثمة عوامل متعددة ومتنوعة تجعل من المغرب بلدا متسامحا دينيا والمغاربة متسامحون بنسبة كبيرة مقارنة مع بلدان أخرى، خاصة مع المغاربة اليهود الذين عاشوا قرونا طويلة في المجتمع وكان لهم دور مهم خاصة في المجالات الاقتصادية والثقافية، إضافة لتقاليدنا الدينية المعتدلة. التسامح يتخذ أيضا صورا أخرى من خلال مظاهر عامة، ومنها وجود أجانب من ديانات أخرى مختلفة وعدم التدخل في معتقداتهم، وهذا لا يمنع من وجود فئة تتحفظ أو ترفض اجتماعيا بعض الممارسات الدينية للغير خاصة إن كانت علنية أو تخالف القيم السائدة على غرار صلاة يهود بمراكش وتغيير الدين والإفطار العلني في رمضان. أغلب المغاربة متسامحون وبينهم محافظون وحتى من يرفض الاختلاف مثل أي مجتمع، كفئة قليلة. لكن هذا التسامح الديني يجب ألا يكون مدخلا أو غطاء لأغراض سياسية، بل يجب العمل على احترام الحريات الفردية عبر إقرار الحقوق والعمل على احترامها وحماية التسامح من الاستغلال والتوظيف السياسي". (رجل تعليم) أسلوب عيش "في رأيي، يعد التسامح الديني أحد أبرز الخصائص التي ميزت المجتمع المغربي عبر تاريخه الطويل، لأنه لم يكن مجرد شعار سياسي أو خطاب مناسبات، بل أسلوب عيش وثقافة متجذرة في الحياة اليومية للمغاربة. فالمغرب عرف عبر قرون تعايشا بين المسلمين واليهود والمسيحيين، واستطاع أن يحافظ على هذا التنوع في إطار من الاحترام المتبادل والعيش المشترك. ويرجع هذا التسامح إلى عدة عوامل، أهمها المرجعية الدينية المعتدلة القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهي عناصر ساهمت في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال ونبذ الغلو والتطرف. كما أن مؤسسة إمارة المؤمنين لعبت دورا مهما في حماية الأمن الروحي للمغاربة، والحفاظ على وحدة المرجعية الدينية، بعيدا عن الصراعات المذهبية والانقسامات الحادة. إضافة إلى ذلك، فإن الثقافة المغربية بطبيعتها تميل إلى الانفتاح وقبول الآخر، حيث ينظر الكثير من المغاربة إلى الدين باعتباره أخلاقا ومعاملة قبل أن يكون مجالا للصراع أو الإقصاء. وهذا ما جعل المجتمع المغربي أكثر قدرة على استيعاب الاختلاف والتعامل معه بهدوء نسبي. لكن، رغم هذا الرصيد التاريخي، لا يمكن القول إن التسامح الديني في المغرب كامل أو خال من التحديات، فهناك أحيانا بعض مظاهر الرفض أو سوء الفهم تجاه المختلف دينيا أو فكريا، خاصة مع تأثير بعض الخطابات المتشددة الوافدة. لذلك يبقى الحفاظ على هذا النموذج مسؤولية جماعية تتطلب التربية على قيم المواطنة والحوار والاحترام المتبادل. إن التسامح الديني في المغرب ليس فقط جزءا من الماضي، بل رهان للمستقبل أيضا، لأنه يمثل أحد أهم عناصر الاستقرار الاجتماعي والهوية الحضارية للمملكة". (جمعوي) استقاهما: حميد الأبيض (فاس) نموذج للتعايش كشف عبد اللطيف البعمراني، أستاذ مادة الفلسفة، أن المغرب يمثل نموذجا فريدا في التعايش الديني والثقافي، حيث تلتقي على أرضه روافد متعددة صنعت عبر التاريخ هوية غنية ومتوازنة، ويبرز البعمراني أن هذا التعايش لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج مسار طويل من التفاعل بين المسلمين واليهود والمسيحيين، في إطار من الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف. ويشير إلى أن المدن المغربية العتيقة، مثل فاس ومراكش والصويرة، تشهد إلى اليوم على هذا التنوع من خلال معالمها الدينية والثقافية المتجاورة. كما يوضح أن الدستور المغربي كرس مبادئ الحرية والمواطنة، مما عزز ثقافة التسامح داخل المجتمع. ويرى الأستاذ أن المدرسة والأسرة والإعلام تلعب دورا محوريا في ترسيخ هذه القيم لدى الأجيال الصاعدة، ويضيف أن المغرب، بقيادة ملكه، يواصل الدفاع عن نموذج الاعتدال والانفتاح، سواء على المستوى الداخلي أو في علاقاته الدولية، وأكد العمراني، على أن الحفاظ على هذا النموذج يتطلب يقظة مستمرة، ومجهودا جماعيا لحماية المكتسبات وتعزيز الحوار بين مختلف المكونات، حتى يظل المغرب فضاء للتعايش والسلام، كما يعتبر أن التجربة المغربية تقدم دروسا مهمة لدول العالم، خاصة في زمن تصاعد التوترات، إذ تبرهن على أن التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة ووحدة. ويشدد على ضرورة الاستثمار في الثقافة والتعليم لتعميق قيم التسامح وضمان استمراريتها بما يخدم استقرار المجتمع ويعزز حضوره الحضاري والإنساني عالميا في الحاضر والمستقبل. *أستاذ مادة الفلسفة خيار إستراتيجي أكد الباحث زهير مقريش أن التسامح الديني في المغرب يعد أحد أبرز الركائز التي قامت عليها الهوية الوطنية، وأضاف أن المغرب تأسس على قيم الحرية والتعايش بين مختلف المكونات الدينية والعرقية واللغوية، فقد شكلت المبادئ الأخلاقية الجامعة أساسا لميثاق مدني ينظم العلاقات بين المسلمين واليهود وغيرهم، ويجعل الولاء قائما على التعاقد لا على الإقصاء. وكشف أن منطقة سوس تبرز نموذجا حيا لهذا التعايش، حيث انخرط اليهود في مختلف الحرف والأنشطة الاقتصادية، خاصة في أسواق إنزكان والضيعات الفلاحية بتارودانت، كما أن الإسلام دعا إلى معاملة أهل الكتاب بالحسنى، وحماية دور عبادتهم، وإقرار التعايش معهم، وقد عرفت الحضارة المغربية الأندلسية تفاعلا غنيا بين المسلمين واليهود والنصارى، أسهم في ازدهار التجارة والفنون والعلوم، ولم ينظر إلى اليهود كأقلية، بل مكون أصيل داخل المجتمع، مشارك في مختلف المجالات، مما يعكس عمق ثقافة التسامح التي ميزت المغرب عبر تاريخه الطويل، كما أن هذا النموذج المغربي يظل شاهدا على إمكانية بناء مجتمع متوازن يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالاختلاف، دون تفريط في الثوابت، وهو ما جعل المغرب يحافظ على تعدديته الثقافية والدينية، ويقدم صورة إيجابية عن الإسلام دينا يدعو إلى السلم والانفتاح والتعايش بين الشعوب. لذلك يبقى التسامح الديني خيارا إستراتيجيا يعزز الاستقرار الاجتماعي ويقوي روابط المواطنة بين الجميع دون استثناء، في إطار دولة تحترم الحقوق والحريات وتضمن الكرامة. باحث في علم الإجتماع استقاهما: عبد الجليل شاهي (أكادير) حصن للتسامح من خلال تجربتي الطويلة في قطاع التعليم، يمكن القول إن المغاربة راكموا عبر التاريخ رصيدا مهما من التسامح الديني، لكنه لم يعد يكتسب اليوم نفس الآليات التي كان يتم بها في الماضي. ففي السابق، كان هذا التسامح يبنى بشكل تلقائي داخل المجتمع، من خلال التعايش اليومي والعلاقات الاجتماعية، بينما أصبح اليوم في حاجة إلى تأطير واعٍ ومواكبة مستمرة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم. داخل المدرسة، تسعى المقررات الدراسية إلى ترسيخ قيم التعدد وقبول الاختلاف، من خلال مضامين تستحضر تاريخ المغرب في التعايش وتبرز تنوعه الثقافي والديني، وهو ما يتيح للمتعلم التعرف على هذه القيم بشكل منظم. غير أن هذا الدور يظل محددا إذا لم يجد امتداده داخل الأسرة والمجتمع، لأن التلميذ لم يعد يتلقى المعرفة من مصدر واحد فقط، بل أصبح يتأثر بشكل كبير بما يروج في الفضاء الرقمي، حيث تنتشر أحيانا خطابات متشددة أو تبسيطية، لذلك، أصبح رجل التعليم مطالبا اليوم بأدوار جديدة، تتجاوز التلقين نحو تصحيح التمثلات وتكوين حس نقدي لدى المتعلمين، حتى يكونوا قادرين على فهم الاختلاف بدل رفضه. وفي تقديري المتواضع، فإن المغاربة متسامحون في العمق، لكن هذا التسامح يحتاج إلى تجديد مستمر وتحصين دائم، حتى يظل قادرا على التكيف مع التحولات الراهنة ومواجهة كل أشكال الانغلاق. رجل تعليم وفاعل نقابي بطنجة بين القبول والتحفظ لا يمكن إنكار أن المغاربة يتوفرون على رصيد مهم من التسامح الديني، يعكسه تاريخ طويل من التعايش والانفتاح، لكن هذا المعطى لا ينبغي أن يحجب بعض التحديات التي بدأت تطرح نفسها في السنوات الأخيرة. فالتسامح في المغرب، كما نلمسه ميدانيا من خلال العمل الجمعوي، حاضر في الممارسات اليومية وفي العلاقات الاجتماعية، لكنه يظل في كثير من الأحيان مشروطا بسقف اجتماعي غير معلن يحدد حدود هذا القبول. فحين يتعلق الأمر بالاختلاف في شكله التقليدي، يكون القبول واسعا ومقبولا داخل المجتمع، لكن عندما يرتبط بقناعات فردية أو اختيارات غير مألوفة، يظهر نوع من التحفظ أو الرفض، وهو ما يكشف أن هذا التسامح لا يزال مرتبطا بالعادات والتقاليد أكثر من كونه وعيا حقوقيا راسخا ومؤطرا. كما أن بعض الصور النمطية المتداولة داخل المجتمع تساهم بدورها في تكريس هذا التردد في تقبل الاختلاف. كما أن التحولات الرقمية ساهمت في بروز خطابات متباينة، بين من يدافع عن الانفتاح ومن يميل إلى التشدد، وهو ما يعكس نوعا من الصراع الهادئ داخل المجتمع حول كيفية تدبير الاختلاف الديني، خاصة في صفوف الشباب.لذلك، فالمغاربة متسامحون، لكن بشكل نسبي ومتفاوت، وهو ما يفرض تعزيز ثقافة الحوار والانفتاح، وترسيخ قيم احترام الآخر داخل الفضاءات العامة، حتى يتحول هذا التسامح إلى ممارسة يومية أكثر عمقا واستقرارا داخل المجتمع. فاعلة جمعوية بالقصر الكبير استقاهما: المختار الرمشي (طنجة)