يهود مكناس يتمتعون بحرية الدين والمعتقد شكلت مكناس فضاء لتلاقح مختلف الديانات السماوية والثقافات عبر قرون، لخصوصيتها مركزا للحضارات والتعايش السلمي بين سكانها، خصوصا بين المسلمين واليهود. وتعد العاصمة الإسماعيلية أبرز معالم هذا التعايش الاستثنائي، الذي جمع المسلمين واليهود عبر تاريخ طويل، وسط أجواء يسودها الاحترام المتبادل والسكينة. استقر يهود مكناس في أحيائها الحديثة والقديمة، وتحديدا في حي الملاح، الذي مازال شاهدا على وجودهم، قبل أن يغادروه في السنوات الأخيرة، سواء إلى إسرائيل، أو إلى دول أوربية أخرى، باستثناء قلة ممن يتشبثون بالعيش في البلد الذي احتضنهم منذ قرون، ومنحهم كل الطمأنينة. من يقطن مكناس يلاحظ كيف حافظ اليهود على هويتهم الدينية والثقافية بكل حرية في الأحياء، التي يعيشون فيها، فهي لم تكن إطلاقا مجرد فضاء سكني، بل تمثل بالنسبة إليهم مركزا للحياة الدينية والاجتماعية، وسط المعابد والمدارس الدينية والمرافق المرتبطة بالشعائر اليهودية. يمارس يهود مكناس صلواتهم وطقوسهم دون عراقيل أو قيود، في ظل حماية مجتمعية ورسمية تؤمن بحرية الدين والمعتقد، وتضمن لهم الاستقرار والسكينة باعتبارهم مغاربة، على غرار المسلمين. ويؤكد حاييم طوليدانو، رئيس الجالية اليهودية بمكناس، في أكثر من مناسبة، أن اليهود عاشوا في المغرب، ومكناس تحديدا، في أجواء من السلام والوئام، إذ لم تفرض عليهم قيودا دينية، بل كانوا يتمتعون بحرية كاملة في ممارسة شعائرهم. وتعكس هذه الشهادات، وغيرها كثير، واقعا تاريخيا يضع خصوصية النموذج المغربي في تدبير التنوع الديني في قلب اهتمام الرأي العالمي. ومن أبرز مظاهر هذه الحرية، تنظيم احتفالات "الهيلولة"، في مكناس، في أجواء روحانية يطبعها الهدوء والسكينة والحماية الأمنية والمجتمعية، باعتبارها مناسبة دينية يحيي فيها اليهود ذكرى أوليائهم وحاخاماتهم. كما تقام طقوس جماعية تشمل الصلوات والأناشيد وتبادل الأطعمة، وسط احتفالات تنظم بكل أريحية، وغالبا ما كانت تحظى بتفاعل واحترام من الجيران المسلمين. أما الصلاة اليهودية، فتقام في المعابد، وتتميز بتلاوة نصوص من التوراة وكتب دينية أخرى، إضافة إلى تراتيل جماعية تؤدى بنغمة خاصة. كما يلتزم اليهود بطقوس الصيام في مناسبات دينية محددة، مثل يوم "كيبور"، الذي يعد من أقدس الأيام في الديانة اليهودية. وما يكرس هذا التسامح السلمي، أن الاحتفالات، التي تقام بحرية ودون مضايقات، لا تقتصر على اليهود فحسب، بل غالبا ما توجه الدعوة إلى بعض المسلمين المقربين، ممن يحضرون هذه الطقوس في أجواء من الوئام. وتشمل حرية الشعائر أيضا طقوس الدفن من خلال توفر اليهود على مقابر خاصة بهم يدفنون فيها موتاهم وفق تقاليدهم الدينية، مع احترام تام لخصوصيتهم، على غرار ما يحدث في مقبرة الملاح في مكناس، التي لم تكن الاستثناء، بل امتد النموذج المغربي في التعايش الديني إلى مدن مغربية أخرى، مثل فاس والبيضاء والصويرة ومراكش، حيث أصبح اليهود جزءا من المجتمع المغربي يتمتعون بالحرية والحقوق نفسها، ما يؤكد أن التسامح الديني في المغرب ليس مجرد شعار، بل ممارسة تاريخية متجذرة تؤمن بتعايش الديانات والحضارات في احترام كامل ومتبادل. عيسى الكامحي