حلقة مفرغة عبد الواحد كنفاوي لا تزال الإستراتيجية الوطنية لتثمين النفايات تعاني عسر هضم مزمن في تحويل وعودها إلى واقع ملموس. فرغم الحديث المتكرر عن الانتقال نحو الاقتصاد الدائري، لا يزال مشهد الشاحنات التي تفرغ أطنان النفايات المختلطة في الحفر العميقة المشهد الأبرز في تدبير النفايات، ما يمثل انتصارا واضحا لثقافة الطمر على حساب فلسفة التثمين. الأرقام المسطرة في الإستراتيجية تطمح للوصول إلى نسبة20 في المائة من تدوير النفايات المنزلية و30 في المائة من التثمين بمختلف أشكاله في أفق 2030، لكن هذه الأهداف يبدو تحقيقها داخل السقف الزمني المحدد لها بعيد المنال في ظل "الهشاشة الرقمية" والتنظيمية التي تطبع القطاع. المعضلة لا تكمن في غياب التخطيط، بل في تعثر الجسر الرابط بين الترسانة القانونية المتقدمة وبين السلوك اليومي للمواطن والمقاولة. ويكمن وجه التعثر الأبرز في غياب الفرز من المنبع، إذ كيف يمكن الحديث عن تثمين في ظل خلط النفايات العضوية بالبلاستيك والإلكترونيات منذ نقطة الانطلاق؟ هذا الخلط لا يرفع تكلفة المعالجة فحسب، بل يحول مراكز الطمر والتثمين إلى مجرد مطارح مراقبة تستنزف العقار العمومي دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية. ويظل القطاع غير المهيكل المهيمن على المجال، إذ رغم محاولات تنظيم العاملين فيه، مثل الناشطين في الفرز "البوعارة" في تعاونيات، إلا أنه لا يزال ينظر إلى هذه الأنشطة باعتبارها عبئا اجتماعيا، في وقت تشكل هذه الفئات حلقة أساسية في سلسلة القيمة في بلدان متقدمة. إننا أمام إستراتيجية برأس أوربي وجسم تقليدي، إذ تغيب المحفزات الضريبية الحقيقية للمقاولات الناشئة في مجال التثمين والاقتصاد الدائري، ويظل الاستثمار في التدوير مغامرة غير محسوبة العواقب في سوق وطنية لم تنضج بعد لاستيعاب المواد المعاد تدويرها. إن نجاح تثمين النفايات لن يتحقق بإنشاء المزيد من الحفر المغطاة، بل بامتلاك الجرأة السياسية لفرض المسؤولية الموسعة للمنتج وتفعيل الضريبة البيئية بشكل يعيد ضخ الدماء في عروق المقاولات الصغرى. الانتقال نحو الاقتصاد الدائري، ليس ترفا، بل حاجة ملحة، في ظل ندرة المواد الأولية والاختلالات التي تعانيها سلاسل الإمدادات الدولية وتداعيات ذلك على أسعار المواد الأولية. كما أن تدعيم وتشجيع الاستثمار في هذا المجال، من شأنه أن يوفر آلاف مناصب الشغل وأن يساعد على إدماج الأنشطة غير المهيكلة في إطار الاقتصاد المنظم وأن يساهم في تقليص الآثار السلبية للنفايات، خاصة البلاستيكية منها، على البيئة. هناك مستثمرون بادروا إلى إقامة مشاريع لتدوير النفايات، لكنهم فوجئوا بأن منتوجاتهم تتعرض لمنافسة خارجية غير مشروعة، ما جعل عددا آخر من نظرائهم يترددون في الاستثمار في قطاع ما زالت معالمه لم تتضح بعد، رغم أهميته بالنسبة إلى المغرب، ما يفرض إعادة النظر في المقاربة المعتمدة حاليا، لتشجيع الاستثمار في هذا القطاع، الذي ما يزال في طور التشكل. وبدون إحداث ثورة في الوعي الجماعي تبدأ من سلة المهملات المنزلية لتصل إلى منصات التثمين الطاقي، ستظل إستراتيجيتنا الوطنية تدور في حلقة مفرغة.