مدينة عالمية تعاني خلل مشاريع التأهيل والاختناق المروري وغلاء الأسعار ومعاملات "النوار" «حتى زين ما خطاتو لولة»، مثل يمكن أن نصف به حال طنجة، التي رغم تسميتها عروس الشمال لجمال أمكنتها وموقعها الجغرافي الساحر ولميزة جمعها بين مياه البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وباعتبارها مدينة عالمية تشكل بوابة إفريقيا نحو أوربا، وتحمل بين أحيائها ودروبها رصيدا تاريخيا وثقافيا وحضاريا غنيا ضاربا جذوره في أعماق التاريخ، إلا أن توسعها العمراني رافقته مشاكل بالجملة أضحت مثار إزعاج للسكان والزوار. إنجاز: محمد بها (موفد "الصباح" إلى طنجة) أماطت زيارة "الصباح" لمختلف المناطق التي تضمها طنجة، اللثام عن عوامل تأخر الإقلاع بعروس الشمال التي اجتمعت عليها نوائب الدهر، فمن جهة، هناك ضعف المحاور الطرقية مقارنة بالتوسع الحضري، ومن جهة أخرى، التداعيات السلبية المرافقة للنمو السكاني الذي يتمدد ويشكل ضغطا على البنية التحتية في غياب تخطيط عمراني، ما يجعلها مدينة تعيش لعنة اختلالات مجالية واجتماعية وبيئية عميقة، ينتج عنها استمرار الفوارق في الولوج إلى الخدمات الأساسية والبنيات التحتية وتوسع هوة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين سكان المدينة نفسها. ورغم بعض مظاهر التطور التي تتعلق بمشاريع سياحية وثقافية ومساحات خضراء تهدف إلى جعل المدينة ملتقى للإبداع ومتنفسا للترفيه عن النفس وفضاءات رياضية لتحصين الشباب من الانحراف، فإن عاصمة البوغاز مازالت رهينة التخلف والعشوائية، بضمها عدة أحياء هامشية، تسبح في مستنقع ضعف البنية التحتية ومسلسل معاناة الشباب بسبب قلة فرص الشغل، في غياب مرافق صحية وخدمات فندقية بأثمنة مقبولة تستجيب للضغط الكبير المرتبط بالسياحة الداخلية والسياح الأجانب، دون الحديث عن مشاكل الاختناق المروري الذي صار معضلة بكل المقاييس. وفي انتظار تنمية حقيقية لتحقيق إقلاع اقتصادي وسياحي يليق بسمعة مدينة كبيرة على جميع الأصعدة، تواصل طنجة السباحة ضد التيار، بعد أن استطاب عدد من منتخبيها التسيير الارتجالي الذي جعل عاصمة عروس الشمال رهينة العشوائية والتأخر في تحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود. اختناق مروري... ساعات في الجحيم «طنجة تاهيا ولات بحال كازا عندكم، إلى بغيتي توصل خاصك تعيش ساعات في الجحيم"...من بين العبارات التي جاءت على لسان سائق سيارة أجرة كان يقل طاقم "الصباح"، وهو يكشف حجم المعاناة التي أضحى يعيشها سكان عروس الشمال أو زوارها، وهو ما ظهر من خلال توقف الحركة واضطرار سائقي عشرات السيارات إلى الاكتفاء بخطوة إلى الأمام والتوقف دقائق في انتظار تحرك من سبقوهم لفسح المجال للتقدم مرة أخرى، في مشهد يحبس الأنفاس. وأضحى الاختناق المروري من بين المشاكل التي تؤثر على جودة الخدمات الحيوية بطنجة وتتسبب في تنامي حوادث السير، دون الحديث عن الضغط النفسي والتقليل من جاذبية العيش في المدينة، بعدما لم يعد ازدحام الطرق مرتبطا بفترة الصيف التي يكثر فيها الإقبال على طنجة وباقي مدن الشمال، وإنما أضحى مشكلا دائما طيلة فترات السنة. ويفرض الحديث عن مشاكل الاختناق المروري الناتج عن ضعف الطاقة الاستيعابية مقارنة بالتوسع الحضري وكثرة السيارات واهتراء الطرق، (يفرض) تعرية واقع ضعف التخطيط الحضري للتعامل مع تحديات التوسع العمراني والسكاني، وهو الخطأ القاتل الذي يظهر من خلال ضيق الشوارع موازاة مع ضعف مشاريع إنجاز المسالك الطرقية والممرات تحت أرضية والمدارات التي يمكن بها تخفيف الضغط وتقليص الازدحام تجنبا لاختناق مروري يحبس الأنفاس. وأمام غياب منافذ طرقية بديلة للمساعدة على تنظيم حركة السير وتسهيل انسيابيتها، تحولت الطرق الرابطة بين أحياء ومناطق طنجة موازاة مع اختناق المداخل والمحاور الرئيسية، إلى شبح يقض مضجع السائقين والركاب، على حد سواء، خاصة فئة التلاميذ والطلبة والموظفين المتوجهين إلى وجهاتهم المختلفة، باعتبار الاكتظاظ الكبير الذي يشتد في أوقات الذروة، يتسبب في مشاكل تأخر المواطنين، وما يعنيه ذلك من تعطيل مصالح لا تحتمل التأخر عن الوقت المبرمج، دون الحديث عن أيام المناسبات والعطل الرسمية والصيفية التي تتحول فيها عاصمة البوغاز إلى قبلة للسياح مغاربة وأجانب. جودة الأشغال...غياب التتبع والمراقبة في الوقت الذي يتم فيه الحديث عن تخصيص القائمين على جهة طنجة تطوان الحسيمة، لميزانية مهمة لتطوير بنيتها التحتية، لم تعرف معظم أحيائها ذات الكثافة السكانية الكبيرة، برمجة مشاريع تنموية أو أوراش لتهيئة مرافق الأحياء المهمشة وتحسين الخدمات المقدمة لسكانها، بما فيها توفير مساحات خضراء وصيانة الطرق بمناطق تتميز بكثافة سكانية تحتاج إلى متنفس حقيقي واهتمام دائم. ورغم المجهودات المبذولة في بعض المناطق التابعة لطنجة، فإن جودة الأشغال وأهمية التتبع لم تكونا في المستوى المطلوب، فكم من مشروع عقاري تم افتتاحه دون مواكبته على مستوى تأهيل البنية التحتية والصيانة أو بربط المسؤولية بالمحاسبة، لقطع الطريق أمام منعشين يحولون مشاريع سكنية إلى أحياء بدون روح، بعدما استغلوا الفضاءات العامة دون وجه حق على حساب المصلحة العامة التي أنشئت لأجلها. حي الخربة...خارج مشاريع التأهيل من أوجه التناقض التي تعرفها عاصمة البوغاز، عدم استفادة عدد من الأحياء والمناطق من مشاريع التأهيل كباقي أحياء المدينة التي تشهد دينامية في التطوير الحضري والمشاريع المرتبطة بها، إذ في الوقت الذي كان عدد من سكان الأحياء الهامشية وضواحي المدينة ينتظرون الاستفادة من التحولات المجالية والهيكلية التي تعرفها طنجة، بهدف استفادتهم من مشاريع تحديث البنية التحتية التي تأتي ضمن أهداف تعزيز الجاذبية الاستثمارية والسياحية وإدارة التوسع السكاني الذي يسير بوتيرة متسارعة، ظل حي الخربة بتراب مقاطعة مغوغة كما هو، بل صار وكأنه نذير شؤم رغم موقعه الإستراتيجي الذي يجعله يتوسط أحياء وشوارع شبه راقية. وانتقد عدد من سكان حي الخربة، التهميش الذي يتعرضون له، مشددين على أن اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية سيوقظ عددا من الكائنات الانتخابية من سباتها لاستدرار عطف الناخبين بوعود معسولة أثبت الواقع زيفها. وأجمع عدد من الشباب الذين كانوا يحاولون تزجية الوقت في تجمعات عشوائية، على أهمية إيلاء العناية بالشباب باعتبارهم الركيزة التي يعول عليها لتحقيق التوازن وبناء المستقبل، وضرورة إلزام المنعشين العقاريين باحترام دفاتر التحملات التي تنص على مدى توفير المرافق الضرورية المتضمنة في مشاريعهم، بما فيها ملاعب القرب والمساحات الخضراء والمنتزهات ومرافق أخرى، شرطا أساسيا قبل تسليمهم نهاية الأشغال، ضمانا لمصلحة السكان عوض الزج بهم في "صناديق إسمنتية" تجعل المرتفقين يبحثون كيفية التعايش معها أو قطع مسافات للترفيه عن النفس. وشدد الشباب الغاضب من تحويل حي الخربة إلى خزان انتخابي على أنه من واجب المنتخبين والسلطات المحلية والجهات المختصة، الحرص على إنهاء التفاوتات المجالية بين الأحياء بتعميم الولوج إلى الخدمات الأساسية والبنيات التحتية، والقضاء على البطالة بتشجيع الاستثمار للحد من هوة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي تنخر سكانا لا حول لهم ولا قوة. طرق متردية... "المزوق من برا" مشاريع تأهيل طنجة وتحسين واجهات أحيائها المتعددة باعتبارها من المدن الكبرى في الشمال، تشير المعطيات التي وقفت عليها "الصباح" بعيدا عن مساحيق التجميل، إلى وجود تباين كبير بين مجهودات إصلاح البنية التحتية والنتائج الملموسة على أرض الواقع، إذ يمكن وصفها بـ"المحدودة" أو "السطحية" في بعض المناطق، في حين يمكن أن يعتبرها القائمون على الشأن المحلي مشاريع مبرمجة لم يحن الوقت بعد لتنزيلها حتى تستفيد الأحياء المتضررة منها، ضمنها قضية تعبيد الطرقات التي أصبحت عبارة عن حفر تجعل السائقين يخوضون تجربة لعبة "خاوية فعامرة" حتى لا تتضرر عجلات سياراتهم. ويكفي المرء قطع خطوات معدودة قبل الدخول إلى باقي أحياء طنجة، من أجل الوقوف على واقع لا يحتمل التكذيب، مضمونه مدينة تختزل الكثير من المتناقضات، تحولت مع التزايد العمراني وسوء الخدمات وضعف البنية التحتية الناتجة عن غياب رؤية واضحة للمشاريع المستعجلة إلى نقطة سوداء تستوجب تحركا عاجلا من قبل المسؤولين. الكلاب الضالة... عروض بلا مروض «كثرة الكلاب الضالة تستدعي تنظيم السيرك بالمدينة»...عبارة للسخرية علق بها أحد مرتادي كورنيش مالاباطا، خلال معاينته مجموعة من الكلاب، وهي تقوم بعروض سرك بلا مروض، قبل أن تلحق بإحدى الأسر وما يعنيه ذلك من خطر داهم. ورغم أنه لا يختلف اثنان على أن طنجة تعرف دينامية قوية في المشاريع الخضراء والمستدامة، بهدف تحقيق توازن بين النمو الصناعي السريع والحفاظ على البيئة، وتميز متنفساتها الحضرية بإطلالات سحرية وحدائق مفتوحة للعموم وفضاءات للألعاب مخصصة للأطفال وأخرى للرياضة (الجري والمشي وركوب الدراجات الهوائية)، فإن عددا من المرتفقين سواء بكورنيش مالاباطا أو حديقة فيلا هاريس الذين صادفتهم "الصباح"، عبروا عن تحسرهم البالغ على وضعية "المسخ"، التي تتعرض لها مدينتهم، مشيرين إلى أنها تحولت إلى محمية للكلاب الضالة، وما يعنيه ذلك من تهديد للسكان والضيوف مغاربة وأجانب، خاصة النساء والأطفال وكبار السن، الذين لا يستطيعون الهروب أو إبداء مقاومة كلاب مخيفة، ما يضرب جهود تشجيع السياحة في مقتل. وإذا كان كورنيش طنجة الشهير يأسر العين والقلب ويتحول إلى لؤلؤة مضيئة في الليل ويستقطب الزوار من مختلف المدن والأقاليم وكذا السياح الأجانب لهندسته المعمارية الجيدة، فإن ما يعيبه تحوله إلى فضاء لتجمع الكلاب الضالة وبعض رواد الأنشطة العشوائية. وعبر المنزعجون من الانتشار اللافت للكلاب الضالة، عن سخطهم على الوضع، الذي تعيشه أحياء المدينة، التي تعتبر قبلة للعائلات الراقية والشخصيات والمشاهير والفئات الباحثة عن الاستجمام والترفيه في مكان يشهد نهضة عمرانية واقتصادية وازدهارا سياحيا، يفترض أن يبقى مسؤولوها في يقظة دائمة لحمايتها من أي شوائب تشوه جماليتها وسمعتها اللتين لا تقدران بثمن. فوضى حافلات نقل العمال... رعب يومي فوضى السير والجولان من بين العوائق التي أضحت مثار إزعاج بالنسبة لسكان طنجة وزوارها في عدد من المحاور الطرقية، بعدما أضحت سلوكات عدد من سائقي حافلات نقل العمال والمستخدمين تؤثر سلبيا وبشكل مباشر على عدة جوانب حيوية في الحياة اليومية للمواطنين والحركية الاقتصادية والتجارية للمدينة. وعاشت "الصباح" تجربة معاناة مستعملي الطريق بطنجة، في ظل ما تعرفه منطقة مغوغة، خاصة في أوقات الذروة من اختناق مروري وعرقلة للسير، بسبب حافلات نقل العمال والمستخدمين سواء من خلال الأسطول الكبير لهذه الحافلات التي تنقل العمال إلى المناطق الصناعية المجاورة، مثل المنطقة الصناعية بمغوغة والمنطقة الحرة، والتي يحرص السائقون فيها على السير بشكل جماعي في طوابير طويلة في طريق ضيقة، مع الإصرار على منع باقي مستعملي الطريق من العبور، في سلوك طائش يدخل ضمن "قصوحية الراس". ومن المشاكل التي أضحت مرتبطة بحافلات نقل العمال والمستخدمين، التوقف العشوائي، إذ في ضرب لحقوق باقي مستعملي الطريق يقوم العديد من سائقي "طرانسبور الخدمة" بالتوقف في أماكن غير مسموح بها، لا لشيء سوى لإنزال أو تحميل الركاب، مما يؤدي إلى عرقلة حركة السير في المحاور الرئيسية، التي يؤثر عليها أي سلوك طائش حتى لو كان بسيطا. غلاء الأسعار و"النوار" في المعاملات التجارية من بين النقاط السوداء التي تخدش جمال طنجة، والتي تضرب جهود السياحة بعروس الشمال وتصيبها في مقتل، غلاء الأسعار و"النوار" في المعاملات التجارية والمالية مع السياح، سواء كانوا مغاربة أو أجانب. ولعل التصنيف الأخير الصادر عن قاعدة بيانات "نامبيو" الدولية، الذي صنف طنجة ضمن أغلى عشر مدن في القارة الإفريقية من حيث تكلفة المعيشة خلال 2026، يعتبر خير دليل على معضلة تؤثر سلبا على تشجيع السياحة الداخلية أو الأجنبية المعول عليهما للمساهمة في الاقتصاد الوطني. ويكفي الجهات المسؤولة بمختلف القطاعات الوصية، القيام بجولة سريعة سواء بالأحياء الراقية والمناطق السياحية أو المناطق الشعبية بطنجة، لمعاينة ارتفاع كبير في مستويات الأسعار مقارنة بعدد من المدن الأخرى داخل المملكة. ومن الأمور التي تثير الانتباه أن غلاء أسعار المواد الاستهلاكية وخدمات الوجبات الجاهزة، لم تستثن المحلات الصغيرة سواء كانت "سناك" أو مطعما أو "محلبة" في الأحياء الشعبية، مقابل تقديم خدمات غالية الثمن مع تدني مستوى الجودة. ولا تقف معيقات تشجيع السياحة عند هذا الحد، بل تتعداها من خلال لجوء عدد مهم من أرباب المطاعم والمقاهي إلى التعامل بـ"النوار"، بالإصرار على تقديم خدماتهم للزبناء دون فواتير، وهي ممارسة تقع بسبب رغبة المخالفين في عدم التصريح بجميع المداخيل، لتسهيل حيل التهرب من الضرائب والرسوم المستحقة.