الجسر المكسور عبد الواحد كنفاوي قدمت الإستراتيجية الوطنية لتمويل سلاسل التوريد باعتبارها طوق نجاة جديدا، خاصة بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، التي تعاني تأخرا في تحصيل مستحقاتها، ما سيمكنها، من الناحية النظرية على الأقل، من تحويل ديونها إلى سيولة فورية. لكن الوصول إلى هذا الطوق يقتضي التوفر على بعض الشروط الضرورية، وتكمن المعضلة الحقيقية في أن تقنيات تمويل سلاسل التوريد عبارة عن حلول تكنولوجية ومالية متطورة، بينما لا تزال الأغلبية الساحقة من المقاولات الصغيرة جدا في المغرب تشتغل وفق أنماط تقليدية أو عفوية تفتقر للحد الأدنى من الهيكلة. كما أن هذه الوحدات تعتمد في الغالب على الفواتير الورقية والمعاملات النقدية، في حين يقوم تمويل سلاسل التوريد على "البيانات"، وبما أن هذه المقاولات لا تملك سجلات رقمية، فهي لا تملك "هوية مالية" تمكن منصات تمويل سلاسل التوريد من تقييم مخاطرها. وتتطلب هذه التقنيات الربط عبر منصة رقمية بين الشركة الكبرى المشترية، والمقاولة الصغيرة، الموردة، والممول ممثلا في البنك، لكن الإشكالية تكمن في أن المورد الصغير، غالبا، ما يفتقر للنظام المعلوماتي أو حتى القدرة على إصدار فاتورة إلكترونية معتمدة. ويجهل عدد كبير من أرباب هذه المقاولات الفرق بين القرض الكلاسيكي وآليات مثل "التخصيم" أو "التخصيم العكسي"، ما يمثل حاجزا نفسيا وتخوفا من الانخراط في آليات جديدة. البون الشاسع، إذن، بين النظري الذي يبشر بالشمول المالي، والتنزيل الذي يصطدم ببيروقراطية الممارسات البنكية وتلكؤ المؤسسات الكبرى في الأداء وبيئة أعمال غير ملائمة، ما يجعل التفاؤل المعبر عنه من قبل المشرفين على الإستراتيجية مشوبا بالحذر. التاريخ القريب يحذرنا من أن أجمل التصاميم والمشاريع قد تظل حبيسة الرفوف أو تفشل في تحقيق أهدافها إذا لم ترفق بإرادة سياسية تفرض التغيير ولا تكتفي باقتراحه. نماذج ليست بالبعيدة يمكن سردها للتدليل على هذه الفجوة، فبرنامج "انطلاقة"، الذي جاء بتوجيهات ملكية سامية وكان ينتظر منه أن يكون المحرك الأول للمقاول الشباب، اصطدم في تطبيقه بجدار الشروط التعجيزية والمساطر المعقدة لبعض البنوك، ما أدى إلى تعثر مسارات واعدة، الأمر نفسه ينطبق على برنامج "فرصة"، الذي رغم زخم انطلاقته، واجه انتقادات لاذعة بخصوص عدالة الاستحقاق وبطء صرف التمويلات، ما حول الأمل لدى الكثيرين إلى خيبة انتظار. إن إستراتيجية تمويل سلاسل التوريد لن تخرج عن هذا المسار إلا إذا نجحت في فك الارتباط بين المقاولة والضمانات الكلاسيكية، وفرضت بيئة رقمية شفافة تلزم الجميع بالانخراط. وبدون ذلك، سنظل نراكم الإستراتيجيات فوق بعضها، بينما تظل المقاولة الصغيرة جدا والمتوسطة تصارع الغرق في بحر من المتأخرات. لا يمكن الحديث عن تمويل سلاسل التوريد دون رقمنة، ما يفرض تحفيز المقاولات الصغيرة على اعتماد أنظمة بسيطة للفواتير الإلكترونية تكون مرتبطة بمنصات التمويل، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية ومؤمنة تسمح بتتبع الديون التجارية ومنع التزوير، مما يرفع منسوب الثقة لدى الممولين. التقنية موجودة والسيولة متوفرة، لكن الجسر الذي يربط المقاول الصغير بالمنصة لا يزال مكسورا، بسبب غياب الرقمنة وضعف التكوين.