أحزاب زكت برلمانيين وتفضل الأعيان التقليديين وأصحاب "الشكارة" لا تكلف جل الأحزاب نفسها عناء استقطاب وتكوين وتأهيل نشطائها لتولي مسؤوليات تنظيمية وانتدابية وتقوية حضورهم وتجويد صورتها وأدائها في الجماعات الترابية والغرف والبرلمان. وتكتفي بالمتوفر من "عتاد" جاهز ووجوه مستهلكة أحيانا أو استقطاب أخرى وافدة من أحزاب أخرى، مفضلة منطق المقعد أهم لها من هوية شاغله. ويتضح ذلك جليا مع اقتراب الانتخابات التشريعية وما حوته لوائح انتخابية معلنة جزئيا أو كليا، من هيمنة ظاهرة إعادة تدوير النخب السياسية والاعتماد بشكل كبير وأساس على وجوه مألوفة بعضها أزمن حضورها بالبرلمان، ولو قل أداؤها وحصيلتها في ولايات سابقة، ما يفسر تغليب الأرقام المحصل عليها، على كل الاعتبارات الأخرى. ولم تستوعب نسبة كبيرة من الأحزاب إشارات غاضبة من عدم تغليبها الكفاءة في تزكية وكلاء لوائحها، وتفضيل الأعيان وأصحاب "الشكارة" عوض تجديد النخب ومنح الفرصة للشباب والكفاءات المغيبة بنسب متفاوتة من حزب إلى آخر، ما يثبت نواقص الحضور الحزبي الوازن ويزكي منطق الأولوية لمن يضمن المقعد البرلماني. وتكشف المعطيات المتداولة قبل شهور قليلة من الانتخابات التشريعية بالأقاليم التسعة في جهة فاس مكناس، مختلف ملامح إعادة تدوير النخب وتجديدها كليا أو جزئيا وفسح المجال للكفاءات والنزاهة، أمام استمرار وجوه تقليدية أعيد ترشيحها بالدوائر الانتخابية نفسها أو في دوائر أخرى، كما تلك الوجوه "المستهلكة انتخابيا". نسبة مهمة من البرلمانيين الحاليين تدوولت أسماؤهم وكلاء للوائح أحزابهم سيما الأصالة والمعاصرة الذي زكى رسميا المستثمرين حسن بلمقدم بمولاي يعقوب وإدريس الشبشالي بصفرو وعزيز اللبار بفاس الجنوبية، وعبد اللطيف فويقر بدائرة تاونات تيسة، وأمينه الجهوي محمد حجيرة وكيل لائحته في دائرة غفساي قرية با محمد. وسعيا للرفع من عدد مقاعده بأقاليم الجهة، يراهن على وجوه سياسية جديدة على غرار أنس الأنصاري ابن عائلة استقلالية مكناسية استقطبه كما محسن الأزمي وكيل لائحة فاس الشمالية، إضافة إلى عبد الحق الصبري رئيس جماعة سبع عيون بإقليم الحاجب، ومحمد أمغار رئيس جماعة تاهلة ومحمد الميري أمينه الإقليمي ببولمان. الأمر نفسه ينطبق على العدالة والتنمية الذي زكى برلمانيه عبد الله بوانو رئيس سابق لجماعة مكناس، إذ رشحه وكيلا بالدائرة نفسها، وعلي العسري مستشار سابق رشحه بدائرة غفساي القرية، كما خالد البوقريعي نقله لتازة لقيادة لائحته بها، بينما هاجر إدريس الأزمي إلى سلا للترشح وكيلا للائحته بدائرتها في الانتخابات التشريعية. ولم يحد التجمع الوطني للأحرار عن هذه القاعدة في تدوير النخب، وزكى نسبة كبيرة من برلمانييه الحاليين بأقاليم الجهة أملا في الحفاظ على مقاعدهم في انتظار الحسم في لوائح أخرى ما زالت عالقة تنتظر حسم التدافع بين أسماء متنافسة، سيما بتاونات وفاس وتازة أمام تداول معلومات غير رسمية عن الاستغناء عن بعضها. معظم الأحزاب الأخرى تنهج الطريقة نفسها في تثبيت الأسماء نفسها بالدوائر ذاتها أو استقطاب أخرى بإمكانها كسب المقعد، أو تزكية أعيان وكل ذي مال وفير مستعد للإنفاق وتمويل الحملات، عوض إعطاء الأولوية في اختيار قائدي اللوائح الانتخابية، لأصحاب التاريخ النضالي وحاملي مشروع سياسي وقدرة على الترافع بالبرلمان. وأمام هذا التهافت على المقاعد والسعي للرفع من أرقامها، تفضل الأحزاب أسماء جاهزة ماليا واسما لقيادة لوائحها ولو وفدت من أحزاب أخرى، ما يفسح المجال أمام رسم خارطة سياسية مختلة تفسح المجال واسعا للترحال وتثبيت الهيمنة التاريخية للنخب التقليدية، ما يجعل كل انتخابات محطة لإعادة إنتاج السيناريوهات والوجوه نفسها. حميد الأبيض (فاس)