الغرفة والمجلس الدستوري جهازان للرقابة الدستورية قبل دستور 2011 تعتبر الرقابة الدستورية أنجع وسيلة لضمان احترام الدستور وتَفَوُّقِ قواعده على باقي القواعد في نظام قانوني معين، باعتبار أن مبدأ سمو الدستور هو حجر الأساس في دولة القانون، ومفاده أن القواعد الدستورية، (المضمنة بالوثيقة الدستورية وبالقوانين المكملة للدستور وتلك المستنبطة من روح الدستور)، هي أسمى القواعد في بنيان الدولة الهرمي، و يتعين على ما عداها من قواعد، أيا كان مصدرها، أن لا تخالف القواعد الدستورية. (2/1) بقلم: الأستاذ أنوار شقروني * خلافا لعدد كبير من الأنظمة القانونية، وقع النص على هذا المبدأ، "مبدأ سمو الدستور"، في صلب الدستور، حيث جاء في الفصل السادس من دستور المملكة أن: "دستورية القواعد القانونية، وتراتبيتها، ووجوب نشرها، قواعد ملزمة". وقد سعى المغرب مند فجر الاستقلال، وحتى قبل الحماية، إلى إحداث جهاز لمراقبة دستورية القوانين، وهذا الجهاز ظل يتطور من حيث مكانته وهيكلته واختصاصاته مع تطور مؤسسات الدولة المختلفة، بدءا من تخصيص غرفة ضمن غرف المجلس الأعلى(محكمة النقض) لمراقبة الدستورية، ثم الانتقال بعد ذلك إلى صيغة "مجلس دستوري" مستقل، إلى أن تم إحداث هيأة قضائية باسم "المحكمة الدستورية"، وسنبحث هذا الموضوع في شقين، الأول، نخصصه لمرحلة ما قبل سنة 2011 (أولا)، و الثاني، نخصصه للرقابة الدستورية في ظل دستور 2011 (ثانيا). أولا: الرقابة الدستورية قبل دستور 2011 1 ـ الغرفة الدستورية في ظل دساتير 1963 و1970 و1972 لا بد من التذكير بداية أن المراقبة على دستورية القوانين عرفها المغرب، نظريا على الأقل، في مشروع دستور 1908 الذي خصص فصلا منه لهيأة أطلق عليها اسم "مجلس الشرفاء"، مهمته مراقبة القوانين التي يصدرها مجلس الأمة، ونص على أن القوانين لا يمكن أن يصدر الأمر بتنفيذها إلا بعد مصادقة "مجلس الشرفاء" غير أن الفكرة أُجْهِضت مع إخضاع المغرب للحماية، و لم يتم وضعها موضع التنفيذ إلا مع أول دستور صدر بعد حصول المغرب على الاستقلال، و كان ذلك سنة 1962. وبعد الاستقلال، أحدث دستور 1962 غرفة ضمن غرف المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) متميزة عن باقي الغرف وهي الغرفة الدستورية التي أناط بها مهمة المراقبة الدستورية وخصص لها الباب العاشر منه، بعد باقي المؤسسات الدستورية بما فيها المجلس الأعلى للإنعاش الوطني و التخطيط، و هي مكانة متأخرة في صلب الدستور. وقد تميزت الغرفة الدستورية من حيث تكوينها بتركيبة من القضاة وغير القضاة، إذ كانت تتشكل من خمسة أعضاء برئاسة الرئيس الأول للمجلس الأعلى، وتضم قاضيا من الغرفة الإدارية بالمجلس نفسه (هو رئيس الغرفة المذكورة)، وأحد أساتذة الحقوق بالجامعة، وعضوين أحدهما يعينه رئيس مجلس النواب والثاني يعينه رئيس مجلس المستشارين. لقد كانت الغرفة الدستورية غرفة متميزة بين غرف المجلس الأعلى، ولئن كانت جزءا من السلطة القضائية لأنها ولدت في كنفها لكنها، وجدت لكي تقوم بوظيفة غير قضائية، على خلاف باقي غرف المجلس الأعلى التي كانت مكونة من قضاة تتمثل وظيفتهم في مراقبة تطبيق القانون من طرف محاكم المملكة. وبالنسبة لاختصاصات الغرفة الدستورية في مجال المراقبة الدستورية، فقد أعطتها الدساتير الثلاثة (1962-1970-1972) اختصاصات محصورة ومحدودة تمثلت في مراقبة مطابقة القوانين التنظيمية للدستور قبل إصدار الأمر بتنفيذها، ومطابقة القانون الداخلي للبرلمان للدستور. وكانت إحالة هذه القوانين على الغرفة الدستورية واجبة تحت طائلة عدم دخول القوانين المذكورة حيز التنفيذ؛ غير أنه لم يكن لها اختصاص النظر في مطابقة التشريعات الصادرة عن البرلمان للدستور سواء بصورة قبلية أو بعدية. وبالرغم مما وصفت به الغرفة الدستورية من محدودية دورها، و من ضعفها البنيوي والمؤسساتي، وافتقار العضوية فيها إلى ضمانات الاستقلال، والطابع المحافظ لاجتهادها، فإنه لا يمكن تجاهل السياق الذي نشأت فيه الغرفة الدستورية في دولة حديثة العهد بالاستقلال و بالمؤسسات العصرية، كما لا يمكن إنكار أن الغرفة الدستورية ساهمت في وضع اللبنات الأولى لتأسيس مدرسة قضاء دستوري مغربي، و أصدرت أزيد من 820 قرارا خلال حقبة وجودها، فقامت بوضع مجموعة من القواعد والمبادئ الدستورية التي بقي إشعاعها ساريا إلى اليوم منها: مبدأ فصل السلط [مقرر رقم 01 صادر بتاريخ 13 دجنبر 1963]؛ و مبدأ عدم جواز تقييد الغير إلا بتشريع [مقرر رقم 02 بتاريخ 31 دجنبر 1963]؛ و مبدأ المساواة أمام القانون (المساواة بين النائب البرلماني المتلبس بالجريمة في حالة تلبس و بين غيره من المواطنين) [مقرر الغرفة الدستورية رقم 8 صادر بتاريخ 01 أبريل1971] ؛ و مبدأ لزوم التعاون بين السلطة التنفيذية و بين السلطة التشريعية [مقرر رقم 18 بتاريخ 24 يوليوز 1978] ومبدأ التوازن بين السلطة التنفيذية وبين السلطة التشريعية [مقرر رقم 182 بتاريخ 2 غشت 1985]؛ وغيرها من المبادئ القانونية ذات الطبيعة والحمولة الدستورية. 2. مراقبة دستورية القوانين في ظل دستوري 1992 و 1996 بعد مرور 30 سنة على إحداث أول هيأة للمراقبة الدستورية، وتماشيا مع التحولات السياسية التي عرفها المغرب، تم وضع دستور جديد في 4 شتنبر1992 نص الباب السادس منه على إحداث مجلس الدستوري، وهو شيء مستجد كما جاء في كلمة الملك الراحل الحسن الثاني أثناء تنصيب أعضاء المجلس دستوري لأول مرة يوم 21 مارس 1994 : " إنه نوع جديد من القضاء ستفتتحون به عهد هذا المجلس الدستوري، عهدا جديدا...لأنه، وهذا ما أرجوه منكم وأنتظره منكم كمغارية و كرجال قانون، عليكم أن تخلقوا مدرسة قانونية مغربية في القانون العام و في القانون الدستوري على الخصوص". وقد تجلت أهمية المؤسسة المكلفة بمراقبة دستورية القوانين في المكانة التي أولاها لها المشرع الدستوري في الهندسة الدستورية، إذ تم الارتقاء بها من الباب العاشر إلى الباب السادس من الوثيقة الدستورية، وتموضعت قبل "القضاء"، وهذا يعكس الأهمية التي أصبح يوليها المشرع الدستوري لهذه المؤسسة ودورها في السهر على ضمان سمو الدستور، و تمت ترجمة هذه الأهمية بأن أخرج هذه المؤسسة من تحت عباءة السلطة القضائية و أضحت مؤسسة مستقلة إداريا و ماليا. وعلى مستوى العضوية تمت زيادة عدد الأعضاء إلى 9، ولمدة 6 سنوات قابلة للتجديد. أربعة أعضاء يعينهم جلالة الملك وأربعة يعينهم رئيس مجلس النواب بعد استشارة الفرق البرلمانية، أما رئيس المجلس فيختاره جلالة الملك بين الأعضاء الذين يعينهم جلالته، كما أدخل دستور 1996 تعديلات على المجلس الدستوري زادت من استقلالية أعضائه بحيث ارتفعت مدة العضوية إلى 9 سنوات و لكنها غير قابلة للتجديد، و هذه إحدى ضمانات حياد و نزاهة العضو المعين؛ بالإضافة إلى ذلك فإنه لم يكن بالإمكان الجمع بين العضوية و بين الوظائف أو أية مهام من شأنها التأثير على حياده مما يشكل عامل تقوية لضمانات استقلالية أعضاء المجلس. والجدير بالذكر أن المشرع أسند إلى المجلس الدستوري، في ما يخص مراقبة الدستورية، اختصاصات أوسع وأهم من تلك التي كانت مسندة للغرفة الدستورية. فبالإضافة إلى مراقبة مطابقة القوانين التنظيمية والقوانين الداخلية للبرلمان للدستور، أُعْطي للمجلس الاختصاص بمراقبة مطابقة القوانين العادية للدستور، وهو اختصاص مستحدث لم يكن متاحا للغرفة الدستورية في جميع نسخها. • فبالنسبة للقوانين التنظيمية كان تدخل المجلس الدستوري وجوبيا لفحص مطابقتها للدستور قبل إصدار الأمر بتنفيذها. والمجلس في هذه المراقبة يحرص، من الناحية الشكلية، على ألا يكون قد تم خرق الإجراءات المسطرية الخاصة بسن القوانين التنظيمية، ومن الناحية الموضوعية، يحرص المجلس الدستوري على ألا ينصب موضوع القانون التنظيمي على غير المجالات التي حددها الدستور لهذه الفئة من القوانين. • وبالنسبة للقوانين الداخلية لمجلسي البرلمان، فإن تدخل المجلس الدستوري لمراقبتها يكون إجباريا، يحرص المجلس فيه على التأكد من مطابقة القوانين الداخلية المذكورة للدستور و للقوانين التنظيمية و عدم خرقها لأي قوانين عادية سبق أن وضعها البرلمان نفسه. • أما بالنسبة لمراقبة دستورية القوانين العادية فلا يمارسها المجلس الدستوري إلا إذا أحيل عليه القانون من قبل إحدى الجهات التي خولها الدستور هذا الحق بمقتضى الفصلين 79 من دستور 1992 و 81 من دستور 1996، اللذين نصا على أن للملك أو للوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو ربع أعضاء مجلس النواب حق إحالة هذه القوانين على المجلس ليبت في مدى مطابقتها للدستور؛ وأضاف دستور 1996 إلى الجهات السابقة "ربع" أعضاء مجلس المستشارين؛ وهذه خطوة مهمة على درب ضمان مبدأ سمو الدستور و إقامة التوازن بين السلطات، وحماية الحقوق والحريات. و الجدير بالذكر أن سلطة المجلس في مراقبة الدستورية يمكن أن تتجاوز مراقبة مطابقة المادة أو المواد موضوع الإحالة للدستور، إلى مراقبة دستورية مجموع مواد القانون المحال عليه، كما أن المجلس يمكن أن يصرح بأن مادة أو بعض مواد قانون غير مطابقة للدستور وأنه يمكن فصلها عن باقي مواد القانون و إصدار الأمر بتنفيذه. ومما ميز أيضا تجربة 1992-1996، أن قرارات المجلس الدستوري أصبحت لها حجية مطلقة تجاه الكافة بمن فيهم المجلس ذاته، حيث نص الفصل 79 من دستور 1992 والفصل 81 من دستور 1996 على أن قرارات المجلس الدستوري لا تقبل أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية، و هذه نقطة قوة جديدة حظي بها المجلس كمؤسسة ذات طبيعة قضائية. فضلا عن أن قرار المجلس الدستوري القاضي بعدم مطابقة مادة من قانون تنظيمي أو قانون داخلي أو قانون عادي لأحد مجلسي البرلمان يؤدي إلى الحيلولة دون إصدار الأمر بتنفيذها، غير أنه إذا ما قضى المجلس الدستوري بأن القانون يتضمن مادة غير مطابقة للدستور، ولكن من الممكن القيام بفصلها من مجموع المواد الأخرى، يجوز إصدار أمر بتنفيذ القانون مع استثناء المادة المصرح بعدم مطابقتها للدستور. وعلى المستوى الكمي فإن عدد القرارات المتعلقة بمطابقة القوانين التنظيمية للدستور بين 1994(تاريخ تنصيب المجلس الدستوري) و2011 (تاريخ إحداث المحكمة الدستورية) بلغ أزيد من60 قرارا، وعدد القرارات المتعلقة بمطابقة القوانين العادية للدستور بالنسبة لنفس المدة بلغ أزيد من10 قرارات. وعلى الرغم من هذه القلة الكَمية في عدد القرارات فإن المجلس راكم مجموعة من المبادئ التي أسست لقضاء دستوري مغربي جدير بهذه التسمية، نورد بعضها على سبيل المثال لا الحصر: • تحديد بعض المفاهيم من قبيل أن" القوانين التنظيمية تعد منبثقة من الدستور و مكملة له و تغدو بعد التصريح بمطابقتها للدستور امتدادا له" [قرار رقم 786 بتاريخ 02 مارس 2010]. • تحديد المبادئ الأساسية الثابتة: "..لتحقيق أهداف مقررة في الدستور يتعين استحضار المبادئ الأساسية الثابتة التي يرتكز عليها الدستور في مجال ممارسة الحقوق السياسية و المتمثلة بالخصوص في المواطنة و حرية الانتخاب و الترشيح... و المساواة و تكافؤ الفرص، و حظر و مكافحة كل أشكال التمييز"[قرار رقم 817 بتاريخ 13 أكتوبر 2011]. • وضع بعض المبادئ الدستورية: انتظام سير المرافق العمومية [قرار رقم 250 بتاريخ 24 اكتوبر 1998].؛ استقلال القضاء [قرار رقم 583 بتاريخ 11 غشت 2004].؛ التعددية الحزبية و حرية التنافس [قرار رقم 630 بتاريخ 23 يناير 2007].؛ قرينة البراءة [قرار رقم 780 بتاريخ 18 يوليو 2009]. و هذه المبادئ التي وضعها المجلس الدستوري ساهمت في تأطير الحياة السياسية و رصت صرح القضاء الدستورى المغربي. * دكتور في الحقوق أستاذ بالمعهد العالي للقضاء