fbpx
منبر

الثورة التونسية… منهجية جديدة

أحدثت انتفاضة الشعب التونسي ضد نظام زين العابدين بنعلي ما يمكن أن يوصف بأنه صدمة منهجية في الفكر السياسي العربي، ففاجأت علماء السياسة والمراقبين والدارسين، وهم ت وطأة المفاهيم السياسية والتجارب التي مرت منها كثير من الدول العربية والتي غالبا ما كانت تنتهي الانتفاضات الشعبية فيها بالقمع، فتنطفي بسرعة قبل أن تعطي أي نتيجة لصالح الشعب المقهور بيد من الحديد والنار، لكن الثورة التونسية التي أطلق شرارتها بائع متجول اسمه محمد المعزوزي أضرم النار في جسده فحقق نصرا تاريخيا عجزت عنه الأحزاب في البلاد التي كان هدفها الحصول على السلطة.
إن الصراع السياسي يختلف، فالسلطة في كل الجماعات الإنسانية، وحتى في المجتمعات الحيوانية، تهيئ للذين يملكونها منافع وامتيازات: أمجادا وسمعة وفوائد ومتعا لذلك تدور حولها معارك حامية، وهذه المعارك تدور أولا بين أحزاب سياسية انتهازية يصارعون من أجل مقعد في البرلمان أو من أجل منصب وزير أو مدير عام أو سفير أو أوسمة. وتدور المعارك ثانيا بين المواطنين والسلطة الحاكمة أي بين الحاكمين والمحكومين، بين أعضاء الجماعة وجهاز القمع والإكراه الاجتماعي، فصراع هؤلاء المواطنين ليس هدفه الحصول على مناصب في الحكومة أو مقعد في البرلمان، بل من أجل الكرامة والعزة ومن أجل توفير شروط العيش الكريم من شغل وسكن لائق وصحة وتعليم وجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، هذه الفئة من المواطنين تمارس الكفاح السياسي ما دام جهاز الدولة تتحكم فيه أقلية فتنشأ صراعات بين هذه الأقلية وبين الأكثرية أي بين الذين يأمرون والذين يجب أن يطيعوا، إن العوامل التي تؤدي إلى الانتفاضة الشعبية تنشأ من استعمال الدولة كوسيلة قمعية لإبقاء سيطرتهم على المواطنين، وهؤلاء يقاومون هذا الاضطهاد بطبيعة الحال، لأن الدولة هي ملك لجميع المواطنين وليست ضيعة فلاحية خاصة بفئة أو عائلة تستغلها لمصلحتها، فالدولة كما يقول أفلاطون ” ما هي إلا الإنسان مكتوبا بحروف كبيرة “فالدولة لا تتكون من الخشب ولكنها تعتمد على الاتجاهات الخلقية والنفسية للمواطن، ولذلك، فإن المدينة العادلة، كما يقول أفلاطون يتصف مواطنها بالعدل الذي يتم في داخلية نفوسهم عن طريق التوازن بين العوامل النفسية الرئيسية والاستواء النفسي، فالعاطفة الملتبسة التي نشعر بها تجاه كل سلطة، إذ نحس في آن واحد أنها تحمينا وتضايقنا معا، إنها تجلب لنا نفعا وتوقع فينا اضطهادا، إنها مفيدة ومزعجة إنها ضرورة لازمة وعبء ثقيل في آن واحد، وعندما يشعر المواطنون أن إزعاج الدولة قد زاد عن حده، وأن العبء أصبح لا يطاق فإنهم يثورون وينتقمون ضد النظام السياسي لإزالة هذا الإزعاج وهذا العبء الثقيل، وهذا ما يسمى في علم السياسة بحق المعارضة وحق المقاومة، ومن أبرز الحالات التي تستفز شعور المواطنين والتي تجعلهم يحسون بالإذلال والاحتقار والظلم هو استحواذ فئة من المحظوظين على أراضي شاسعة لممارسة المضاربات العقارية في الوقت الذي لا يجد فيه معظم السكان مكانا لدفن موتاهم، هذا فضلا عن سوء الأحوال الاجتماعية المزرية.
إن الثورة التونسية الشعبية التي أطاحت بالنظام السياسي الذي دام 23 سنة، كشفت بأن الكفاح السياسي في العالم العربي لم يعد يعتمد على الأساليب القديمة التقليدية المتمثلة، خاصة في إجراء انتخابات شكلية مزورة حافظت على استمرار أجهزة الحكم الفاسدة لمدة عقود أي منذ بداية الاستقلال بل أن الرأي العام العربي هو الذي أصبح اليوم يتحكم في زمام الأمور مدعوما بطبيعة الحال بمبادئ حقوق الإنسان ومن أهمها الحق في التعبير والحق في المعارضة من أجل تغيير الأوضاع الفاسدة.
فلولا الانتفاضة الشعبية في تونس لبقيت دار لقمان على حالها، ولن يتغير شيء وسيبقى الرئيس بنعلي جاثما على صدر الشعب التونسي إلى أن يصاب بمرض الخرف الذي أصيب به الرئيس بورقيبة من قبله! إن التعارض بين الذين ينعمون بالامتيازات، ويستطيعون أن يرضوا رغباتهم وأن يتمتعوا بالحياة تمتعا كاملا وبين المضطهدين الذين يقاسون حرمانا كبيرا هو تعارض أساسي في كل مجتمع من المجتمعات، والقبض على ناصية السلطة وسيلة من أنجع الوسائل للتمتع بالامتيازات والمحافظة عليها فزعيم الحزب الذي يدخل إلى السلطة يذوق حلاوة وطعم الامتيازات لا يرغب في الخروج منها حتى ولو أدى به الحال إلى التخلي عن مبادئه الحزبية التي كانت سببا في وصوله إلى السلطة، ولا يهمه تغيير الدستور أو تغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بل يكفي أنه استطاع تحسين أوضاعه الخاصة.
لم يعد المواطن العربي يثق أو يعتمد على الأحزاب التي أصبحت تقوم على مبادئ انتهازية وعلى فن التسلق إلى السلطة، ففي ظل هذه الأحزاب التي عجزت حتى عن المطالبة بتعديل الدستور، فإن هلاك الديمقراطية أكبر من فرصة نجاحها وما يرافق ذلك من عدم توازن السلطة السياسية وعدم الثقة بالمؤسسات الدستورية، وما ينتج عن ذلك من فساد قضائي وإداري، وتزايد الفوارق الاجتماعية والصراعات بين أصحاب الامتيازات والمحرومين، فهذه الأوضاع هي التي تكون وقودا للانتفاضات الشعبية في البلاد التي تعاني من الديكتاتورية والحكم الفردي.

بقلـم: حسوني قدور بن موسى: محام بهيـأة وجـدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى