رؤساء جماعات وبرلمانيون صودرت حساباتهم البنكية رغم تبرئة بعضهم ينطبق المثل "لي كلاتو المعزة فراس الجبل، تحطو فلوطة" على سياسيين تولوا مسؤوليات بجماعات ترابية ومنهم برلمانيون صودرت ممتلكاتهم المكتسبة في ظروف مشبوهة، بقرارات قضائية لغرفة مكافحة غسل الأموال في ابتدائية فاس التي تواصل ريادتها للمحاكم الأربع المختصة بما تستقبله وتحكمه من قضايا غسل أموال. عشرات منهم صدرت أحكام ابتدائية بالمصادرة في حقهم على غرار بارونات وموظفين ومقاولين راكموا ثروة بطرق غير قانونية أو اختلسوا المال العام وتملكوه، وآخرون ينتظرون قرارات من الغرفة بعد إدراج ملفاتهم بها، رغم أن بعضهم برئ من قبل قسم جرائم الأموال من تهم الاختلاس والتبديد وما يرتبط بهما من أفعال إجرامية. إعداد: حميد الأبيض (فاس) لا تخلو جلسة للغرفة الملتئمة صباح كل أربعاء بوتيرة في ارتفاع، من ملف يتابع فيه منتخبون بنفوذها الترابي الممتد بجهات فاس والشرق وخنيفرة والرشيدية وميدلت إلى الحسيمة، بتهمة غسل الأموال. وجلهم يحكمون بالحبس موقوف التنفيذ ومصادرة ممتلكاتهم بموجب أحكام نسبة منها تراجع في المرحلة الاستئنافية. "علبة سوداء" التجمعية سارة خضار، نائبة سابقة لرئيس مقاطعة سايس بفاس و"علبة سوداء" للبرلمانيين الاتحادي عبد القادر البوصيري والتجمعي رشيد الفايق، آخر المنتخبين المحالين على الغرفة بطلب من النيابة العامة المختصة. وملفها عين الأربعاء 8 أبريل، وهو واحد من 16 ملفا مدرجا في جلسة 13 ماي وينتظر أن يؤجل البت فيه في أول جلسة. إحالة المتهمة جاءت رغم تثبيت حكم قضائي برأها من تهم "المشاركة في تبديد أموال عمومية والمشاركة في الارتشاء واستغلال النفوذ"، بعدما قضت شهورا رهن الاعتقال بالسجن بعد تسليمها للسلطات المغربية من نظيرتها الإماراتية التي اعتقلتها بعد سنة قضتها في تركيا فارة من العدالة رغم وجودها موضوع مذكرة بحث دولية. تبرئتها قضائيا لم تمنع مساءلتها من جديد أمام غرفة مكافحة غسل الأموال رغم تراجع البرلماني الاتحادي عبد القادر البوصيري في شهادته في ملفها، عن اعترافاته التلقائية السابقة أمام الفرقة الجهوية للشرطة القضائية، المؤكدة لتلقيها رشاوي من مقاولين تتراوح ما بين 50 ألف درهم ومليون سنتيم نظير رخص السكن، ما نفته في سائر المراحل. إحالتها جاءت بعد أسبوعين من شروع الغرفة برئاسة القاضي الراضي، في البت في ملف مماثل للبرلماني رشيد الفايق المدان من قبل قسم جرائم الأموال ب8 سنوات سجنا نافذا في ملف فساد مالي وإداري بجماعة أولاد الطيب التي ترأسها، والذي توصف سارة بأنها "علبة سوداء" له ولزميله البوصيري، لعلاقتها الوطيدة بهما. الغرفة أخرت محاكمة الفايق و16 متهما آخر بينهم أخوه جواد رئيس سابق لمجلس عمالة فاس إلى 6 ماي المقبل لإحضارهما من السجن ومحاكمتهما حضوريا، بعدما أحال وكيل الملك ملفهم عليها طالبا مصادرة ممتلكات عقارية محجوزة وأملاكهم المنقولة في حدود نسب تملكها، لفائدة الدولة وحساباتهم البنكية لفائدة الخزينة العامة. برلمانيون لم يكن الفايق البرلماني الوحيد المطلوبة مصادرة ممتلكاته المشتبه في طرق تملكه لها، بل أيضا زميله الاتحادي عبد القادر البوصيري المحكوم بالعقوبة نفسها من قبل قسم جرائم الأموال على خلفية اختلالات وتجاوزات ارتكبها خلال توليه مسؤولية نائب لرئيس جماعة فاس التجمعي المحكوم بدوره بالحبس النافذ ل6 أشهر في الملف نفسه. ملف البوصيري الذي يقضي عقوبته حاليا بسجن تولال، أحيل على الغرفة بطلب من وكيل الملك بمصادرة ممتلكاته، إلى جانب التجمعي نور الدين قشيبل برلماني دائرة غفساي قرية با محمد بتاونات، الصادر في حقه حكم ابتدائي بالمصادرة ألغي استئنافيا، إضافة إلى إدانته بسنة واحدة حبسا موقوف التنفيذ و50 ألف درهم غرامة نافذة. جل البرلمانيين الصادرة أحكام بمصادرة ممتلكاتهم وحساباتهم البنكية المحجوزة، ينتمون لأحزاب ضمن الأغلبية الحكومية سيما من التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال المنتمي إليه محمد لعيدي الرئيس السابق لجماعة مولاي يعقوب الذي شمله قرار مماثل بعدما قضى سنتين في السجن بسبب اختلالات في تدبيره لشؤون الجماعة. وشمل حكم المصادرة الصادر في حق لعيدي المدان في ملف غسل الأموال بالحبس موقوف التنفيذ، الممتلكات والحسابات البنكية والعقارات المحجوزة المملوكة له في حدود نسبة التملك بشرط اكتسابها بعد دخول قانون مكافحة غسل الأموال حيز التنفيذ في 3 ماي 2007، مع رفع الحجز والعقل عن ممتلكات تملكها. لم يكن هؤلاء البرلمانيون بانتماءاتهم المختلفة، وحدهم المعنيين بهذه الأحكام وطلبات المصادرة، بل ينتظر أن تشمل طلبات النيابة العامة بالمصادرة برلمانيين آخرين بعضهم أدين بعقوبات من قبل غرفة الجنايات لجرائم الأموال، وآخرون ما زالت ملفاتهم رائجة أمامها أو في مرحلة التحقيق، لاتهامهم بالاختلاس والتبديد وغيرهما. براءة ومتابعة لم تمنع أحكام بالبراءة في ملفات توبع فيها سياسيون منتخبون أمام قسم جرائم الأموال، متابعتهم في ملفات أخرى أمام غرفة مكافحة غسل الأموال، في حالات كثيرة مدرجة أمام ابتدائية فاس، على غرار التجمعية سارة خضار وزميلها البرلماني قشيبل اللذين برئا من المنسوب إليهما من تهم الاختلاس والتبديد واستغلال النفوذ. الأمر نفسه ينطبق على رئيس جماعة بنصميم بإفران من الحركة الشعبية، برئ و6 متهمين من تهم اختلاس وتبديد أموال عمومية والمشاركة في التزوير في محررات عرفية وأخذ أو تلقي فائدة، لكنهم توبعوا أمام غرفة مكافحة غسل الأموال التي أصدرت حكما ابتدائيا قبل سنتين صادر ممتلكاتهم وأدانهم بالحبس الموقوف، قبل مراجعته. رئيس جماعة غياثة الغربية بتازة ينطبق عليه الأمر أيضا، بعدما وجد نفسه ومن معه، في موقف لا يحسدون عليه بعد صدور قرار قضائي بمصادرة ممتلكاتهم وإدانتهم بالحبس موقوف التنفيذ، رغم أن قسم جرائم الأموال بفاس برأهم من تهم "الاختلاس والتبديد والتزوير في محررات رسمية واستعمالها" تابعهم بها قاضي التحقيق. أما النائب الأول لرئيس جماعة مولاي يعقوب من الحركة الشعبية، فصودرت ممتلكاته المنقولة وحساباته البنكية المحجوزة، رغم تبرئته في ملف لجرائم الأموال توبع فيه مع الرئيس الحركي المدان ب6 أشهر حبسا نافذا قبل عزلهما وانتخاب رئيس ومكتب جديد لتسيير المجلس الجماعي في ما تبقى من عمر الولاية الانتدابية الحالية. وقس على ذلك مصادرة ممتلكات رئيس المجلس الإقليمي لمولاي يعقوب التجمعي، ومن معه رغم أن قسم جرائم الأموال لم يحسم بعد في ملفهم الرائج أمامه منذ شهور بعد إحالته عليه من قبل قاضي التحقيق بالغرفة الأولى، ما يؤكد أن البراءة أمام هذا القسم لا تعني إخلاء الذمة من إمكانية التورط في غسل الأموال المطلوب مصادرتها. أحكام ومتابعات أصدرت غرفة مكافحة غسل الأموال بابتدائية فاس، عشرات الأحكام في حق رؤساء جماعات مشكوك في مصدر ثرواتهم راكمها بعضهم في وقت قياسي سيما بعد توليهم مسؤولياتهم، ما دفع النيابة العامة لطلب مصادرتها ممتلكاتهم واستجابت إليه هيأة الحكم برئاسة القاضي الراضي الذي يتولى البت في هذه الملفات كل يوم أربعاء. آخر الأحكام بالمصادرة صدرت قبل أسبوع في حق رئيس جماعة إيسلي بعمالة وجدة أنكاد من الأصالة والمعاصرة حكم عليه بسنتين حبسا موقوف التنفيذ و50 ألف درهم غرامة ومصادرة ممتلكاته العقارية المحجوزة لفائدة الدولة، إلى جانب أملاكه المنقولة المحجوزة في حدود نسبة التملك، فيما صودرت حساباته البنكية لفائدة الخزينة. القرار نفسه شمل زميله رئيس جماعة بني درار بالمنطقة الشرقية من الحزب نفسه، صودرت ممتلكاته المكتسبة بعد خروج قانون غسل الأموال للوجود، فيما يتابع في ملف أمام قسم جرائم الأموال بناء على قرار إحالة أصدره قاضي التحقيق بالغرفة الأولى باستئنافية فاس المحال عليه ملفه من قبل الوكيل العام بعد ظهور تقرير تفتيش. قرارات مماثلة صدرت في حق سياسيين آخرين منهم رئيس لجماعة أولاد زباير وحركي ترأس جماعة مكس بمولاي يعقوب وعزل بقرار من إدارية فاس قبل انتخاب شقيقه بدلا عنه، إضافة إلى رئيس جماعة سيدي داود المعزول بدوره والمنتخبة ابنته رئيسة خلفا له لتسيير دواليب الجماعة في ما تبقى من عمر هذه الولاية الانتدابية. ولم يسلم رئيس جماعة أوطابوعبان بتيسة بتاونات، من قرار المصادرة على غرار رؤساء آخرين بعدة أقاليم بجهات تابعة لنفوذ غرفة مكافحة غسل الأموال بفاس، لكن نسبة مهمة منهم روجعت الأحكام الابتدائية الصادرة في حقهم بمن فيهم هذا الأخير ورئيس جماعة مولاي عبد الكريم البرلماني التجمعي وآخرون بمناطق متفرقة ومختلفة. مراحل المصادرة صدور حكم قضائي زجري ابتدائي بمصادرة الممتلكات المتحصلة من جرائم من قبيل غسل الأموال والفساد المالي كما الاتجار في المخدرات، لا يعني تفعيله وتنفيذه بمجرد النطق به، بل يلزم اتباع مساطر وإجراءات قبلية وبعدية للقرار لما يصبح نهائيا، وفق مسطرة تبدأ أثناء البحث وموازاة معه وخلال المحاكمة في مختلف مراحلها. تبدأ المسطرة بعقل والحجز على تلك الممتلكات بموجب قرار قضائي صادر عن النيابة العامة أو قضاء التحقيق، بعقل العقارات والأموال المشتبه فيها، قبل تسييرها عبر وكالة خاصة، لينتهي الأمر بنقل الملكية للملك الخاص للدولة، بعد استنفاد الإجراءات وتحديد العائدات الإجرامية بما فيها الممتلكات المادية وغير المادية وعقارات. وتبدأ المراحل الفعلية لتنفيذ القرارات بصدور حكم نهائي بمصادرة أي ممتلكات عقارية ومنقولة أو أموال ثبت اكتسابها بطرق غير قانونية أو تحصيلها من جريمة الاختلاس والتبديد للمال العام بغرض التملك الشخصي له واستثماره لفائدة المسؤول المنتخب أو أفراد من عائلته، لمراكمة ثروة وممتلكات غير مشروعة وغير قانونية. وتنفذ المصادرة بقرار من الوكيل العام الذي يرخص بنقل ملكية الممتلكات المحجوزة إلى الدولة المغربية أو أموال الحسابات البنكية إلى الخزينة العامة، مع مراعاة حقوق الأغيار، في مرحلة تسبق طريقة تسييرها وتصفيتها تدريجيا من قبل وكالة وطنية لتسيير الأملاك المجمدة أو المصادرة الناتجة عن الجرائم المتابع بها المنتخبون. غرفة غسل الأموال بفاس الأولى وطنيا أحدثت غرف مكافحة غسل الأموال الأربع بفاس ومراكش والبيضاء والرباط، بعدما اعتمد المغرب قانونا خاصا صدر في 2007 قبل تعديله لاحقا لتعزيز المراقبة وتشديد العقوبات ومواكبة المعايير الدولية في ذلك، ما فرض مراقبة دقيقة للجميع وضبط العمليات المشبوهة مصدر ثروة أشخاص أيا كانت مسؤولياتهم ونشاطهم. ومنذ إحداثها حافظت غرفة ابتدائية فاس على ريادتها في الترتيب بين باقي الغرف، كما تكشف ذلك أرقام رسمية معلنة آخرها في الفترة بين فاتح يناير و6 أبريل، أكدت تصدرها لعدد الملفات المحالة عليها ب152 ملفا من أصل 285 ملفا محالا على المحاكم الأربع، أي ما يشكل 53.3 في المائة مقارنة مع باقي الغرف. وتحتل ابتدائية مراكش الرتبة الثانية ب78 ملفا أي ما يشكل 27.4 بالمائة من مجموع القضايا المسجلة، فيما تأتي ابتدائية الرباط ثالثة ب49 ملفا أي 17.2 في المائة، والدار البيضاء ب6 ملفا فقط أي ما يمثل فقط 12.1 في المائة من إجمالي الملفات المحالة على الغرف الأربع في تلك الفترة القصيرة من السنة الجارية. نسبة مهمة من تلك الملفات المحالة على الغرفة بفاس، كانت معروضة أمام قضاء التحقيق بابتدائية المدينة وتمت فيها متابعة المتورطين، فيما أحيلت نسبة أخرى بشكل مباشر على الغرفة من قبل النيابة العامة المختصة التي شرعت في مناقشة كثير منها في انتظار أحكام فيها تصدر منها أسبوعيا نسب مختلفة ومتفاوتة. ويشكل السياسيون والمنتخبون نسبة مهمة من المتابعين في تلك الملفات المحالة على غرفة غسل الأموال بعد إدراج ملفاتهم أمام قسم جرائم الأموال، مع تسجيل حضور لافت للموظفين والمسؤولين في قطاعات مختلفة، سيما في البنوك وإدارات عمومية، إضافة إلى متورطين في شبكات للاتجار في المخدرات بمختلف أنواعها.