كتاب لعادل السنهوري يكشف معارك العندليب ومواقفه الإنسانية رغم مضي أزيد من 49 سنة على وفاة الفنان المصري عبد الحليم حافظ، التي حلت ذكراها قبل أيام، ما زالت سيرته تستهوي الكتاب والمؤلفين والإعلاميين. وفي هذا الصدد صدر للكاتب والإعلامي المصري عادل السنهوري كتاب جديد بعنوان "نصف حليم الآخر.. معارك فنية ومواقف إنسانية" عن منشورات بتانة. في هذا الخاص تأخذكم "الصباح" في جولة عبر أهم فصوله التي تكشف أن العندليب الأسمر، هو تلك الخلطة السحرية المميزة من معاركه الفنية ومواقفه الإنسانية المبهرة، تلك هي جاذبيته الخاصة حتى الآن. إعداد: عزيز المجدوب في كتابه "نصف حليم الآخر" حرص المؤلف عادل السنهوري على التطرق إلى المعارك الفنية التي خاضها الفنان عبد الحليم حافظ، والتي تعرض بسببها لشائعات واتهامات كثيرة، حيث ظهر فيها حليم بوجه آخر، يختلف تماماً عن مواقفه الإنسانية مع أسرته وأصدقائه وزملائه ومحبيه في الوسط الفني وخارجه. وفي هذا السياق يقول عادل السنهوري إن "حليم خاض خلال مساره الفني الطويل معارك فنية كثيرة، لها ما يبررها، أغضبت منه الكثير من الفنانين، حتى أقرب أصدقائه، وانتهت جميعها بالصلح، لأنها دارت حول الفن والغناء، الذي تبدت معه "شراسة" حليم الإنسان الطيب اليتيم". وأضاف السنهوري "رغم الغياب، ما زالت الحكايات عنه كثيرة، ومذكرات بعض الفنانين من أبناء جيله وحواراتهم، تزدحم بالأسرار في العلاقة معه، فقد خاض حليم معارك كثيرة، لكي يبقى معتلياً قمة الغناء في مصر والوطن العربي، ولجأ إلى كل الحيل والأساليب والأدوات، التي تجعل منه فارس الأغنية الأول، والحكايات في هذا المجال كثيرة. دخل في معارك فنية وشخصية، حتى مع كوكب الشرق أم كلثوم، وفريد الأطرش ومحمد رشدي ووردة ونجاة، ومع أقرب أصدقائه إلى قلبه، الطويل والموجي، ورغم ذلك، ما زال هناك بُعد غائب في تفسير هذه المعارك التي خاضها، ولو من الجانب النفسي". ويرى المؤلف أن "حليم حارب في كل اتجاه، حتى يصبح ملكا على عرش الغناء الرومانسي والشعبي والوطني، وعبر بذكائه الشخصي والفني عن الحب بأصدق وأروع صوره، وعن الوطن الناهض والصاعد في مواجهة التحديات، وفي معارك البناء والتنمية، وصوت ناصر في الشارع المصري والعربي، وصوت العروبة في المحافل الدولية، وبالفعل، مات حليم وعاش فنه يخلده، وما زال متربعاً بصوته وصدقه الفني، وعشقه لفنه، على قلوب ووجدان ملايين المصريين والعرب، حتى إشعار آخر، ربما لن يأتي". ذكاء حليم مع الكبار من النقط التي يفيض فيها عادل السنهوري القول علاقة عبد الحليم حافظ بمحيط الكتاب والأدباء والصحافيين، ويشير إلى أن العندليب الأسمر كان حريصا على أن يظل محاطا بالكبار أمثال الشاعر والأديب والصحافي كامل الشناوي، مصطفى وعلي أمين، إحسان عبد القدوس، أحمد بهاء الدين، وصلاح جاهين والرسام حسن فؤاد والروائي فتحي غانم والأديب يوسف ادريس، ثم انتقل إلى الجيل التالي الإذاعي الكبير وجدي الحكيم، والكاتب الصحافي منير عامر، ومحمود عوض ليظل في بؤرة الإعلام. وهذا ما يفسر، حسب السنهوري، أن الإعلام كان يمنح عبد الحليم مساحات تتجاوز حتى ما منحه لأم كلثوم. كما يشدد على خاصية "الجاذبية" التي قال إنها كانت أهم ما يميز عبد الحليم الذي كان قادرا، في حياته وحتى بعد وفاته، على السيطرة على الإعلام مرئيا ومسموعا ومقروءا. ويقول السنهوري إن عبد الحليم كان يراقب الجميع. كان يتابع النجاح الذي يحقّقه أي فنان ويتأمله ويحاول أن يعثر على أسبابه. لم يعتبر الآخرين غير موجودين على الساحة ولم ينكر أنه يتابعهم. كان أحياناً يتدخل بذكاء في إشعال التنافس بين منافسيه حتى يبددوا طاقاتهم في الصراع في ما بينهم بينما يواصل هو التقدم بمفرده. وهنا يشير المؤلف إلى "النصف الآخر" من العندليب إذ "لم يكن عبد الحليم حافظ فقط هذا الفنان الحالم المتسامح كما كنا نشاهده دائما من خلال تلك الصورة الذهنية التي صدّرها لنا، فصارت راسخة في الوجدان حتى الآن، (...) فكــل شيء بالنسبة إليه كان لديه وظيفة واحدة ووحيدة هي أن يضع عبد الحليم في مكانة خاصة. قد يضحّي بصداقة صديق. قد يلجأ إلى الضرب تحت الحزام. قد يسطو على لحن أو ملحن أو شاعر. وقد يستخدم سلاح السخرية أو حتى التشنيع. قد تحمل هذه الكلمات قدراً من القسوة، لكن هناك اتفاق إنساني على أنّ كل العظماء في حياتنا ليسوا ملائكة ولهم مناطق ضعفهم. وهكذا هو عبد الحليم حافظ الذي لم يعرف الصدق إلا عندما كان يغني كما قال عنه صديقه الشاعر كامل الشناوي". عبدالحليم حافظ كان قارئا ومثقفا وصاحب صداقات متنوعة ومتعددة فى الوسط الصحفي والفني والسياسي، كما كان يمتلك حسا نقديا عاليا، وصاحب رأي ينم عن ثقافة تأسست من علاقته القوية بعمالقة الأدب في عصره. كما أن تجربة عبد الحليم أيضا في الكتابة تكشف مدى قدرته على التنوع في الثقافة والتعبير عما مر به من سنوات "اليتم" والصعود إلى المجد، لذا لم تكن تدخلات "العندليب" في كتابة سيناريوهات الأفلام أو تغيير بعض كلمات أغانيه أمرا ينم عن تحكم بقدر ما يدل على موهبة في تذوق ما يقرأ ويكتب ويغني أو حتى يسمع. منع كمال الطويل من السفر من الحكايات التي يستعيدها عادل السنهوري على لسان الموسيقار الراحل كمال الطويل أنه أثناء تصوير فيلم "حكاية حب" في 1959 لم يتبق من أغاني الفيلم سوى الأغنية الأخيرة وهى "في يوم في شهر في سنة" التي لحنها الطويل الذي شعر فجأة أثناء تلحينها بحالة ضيق وبالرغبة في السفر، فدب خلاف وشجار بينه وبين حليم، الذى أصر على تلحين كمال للأغنية قبل السفر، وأمام اصرار الطويل على السفر، توعده حليم ضاحكا: "طيب يا كمال أبقى شوف تسافر إزاى...؟". وتمسك الطويل بقراره وأخذ حقيبة سفره، وتوجه إلى المطار، وكانت المفاجأة أن ضابط الجوازات استوقفه متعللا بتعليمات منعه من السفر. ارتفع صوته غضبا في صالة الجوازات، فجاءه ضابط برتبة كبيرة مبتسما له لتهدئته، موضحا له أن هناك سيارة خارج المطار في انتظاره سوف تقله إلى أحد الأماكن السيادية المهمة.. استقل الطويل السيارة، وإذ به أمام مسؤول أمني كبير، وبعد تبادل التحية والضحكات رفع المسؤول سماعة التليفون ليتصل بحليم، ويخبره بأن كمال موجود في مكتبه، ثم أعطاه السماعة ليسمع ضحكات وقهقهات لا تتوقف من العندليب، ولم يتمالك نفسه وبعد حالة غضب، وجد نفسه يتبادل الضحك مع حليم الذى ذكره بتهديده المهذب "مش قلت لك يا كمال لحن الأغنية وبعدين سافر". أم كلثوم.. المعركة الكبرى استحضر المؤلف المواجهة بين عبد الحليم وأم كلثوم في حفلة نادي الضباط بالزمالك في عيد ثورة في1964. أم كلثوم ستغني أولا وأرادت بذلك أن تلقن عبد الحليم درسا، عن مواقف سابقة، ليختم الحفل، فغنت وأطالت في الغناء وتجاوزت وقتها بكثير، وبدأ القلق يسيطر عليه، إلا انه تماسك وصعد على خشبة المسرح وقدم فقرته ولم يبد أي تذمر أو غضب ظاهر. واعتاد عبد الحليم أن يغني كل عام بين الوصلتين ثم تختتم أم كلثوم الحفل، فاعترض حليم على هذا التغيير المفاجئ لأنه يعلم أنه بعد وصلتين من غناء أم كلثوم ستمتلئ آذان الناس وسيشعر الجميع بالإرهاق ولن يستمع إليه أحد ولكن أم كلثوم أصرت على هذا التغيير وصعدت الى المسرح وغنت وأطالت حتى الساعات الأولى للصباح. بعد ذلك صعد حليم الى المسرح وعبر عن غضبه الصامت بكلمات صدمت الجميع ألقاها على مسامع الرئيس والمشير وكبار رجال الدولة وملايين المستمعين فقال "طبعا منتهى الجرأة اني أختتم حفلة غنت فيها السيدة أم كلثوم خصوصاً بعد ما غنت اللحن العظيم إنت عمري لحن الاستاذ محمد عبد الوهاب، وهما أصرا على إني أختم الحفل وده طبعا شرف كبير بس الحقيقة مش عارف هو شرف ولا مقلب". وكأن حليم قد فجر قنبلة فغضب الجميع وغضبت السيدة أم كلثوم وأمرت ألا يشترك عبد الحليم حافظ معها في أية حفلة مرة اخرى ، وطلب الجميع من حليم وعلى رأسهم المشير عبد الحكيم عامر أن يعتذر لأم كلثوم عما قاله فرفض وعاند ورأى أنه لم يخطئ ولن يعتذر عن خطأ لم يرتكبه وأصر على موقفه، فتم منع حليم بعد ذلك من الغناء في حفلات عيد الثورة، إلى أن وقع صلح بينهما بعد فترة. خلاف وصلح مع الأطرش جمعت صداقة بين الفنان عبد الحليم حافظ والراحل فريد الأطرش، إلا أن سوء تفاهم وقع بينهما في ربيع 1970 وتحديدا في ليلة عيد "شم النسيم"، وقبلها كان الأطرش غادر مصر واستقر في بيروت منذ 1966 وطيلة غيابه انفرد عبد الحليم بإحياء ليلة العيد التى احتكر فريد الغناء فيها لمدة 25 سنة، واعتاد أن يقدم أغنيته الشهيرة "الربيع" التي اقترنت فى وجدان المستمعين وقتها بهذا الفصل، ولكن فجأة عاد فريد في أبريل من 1970 إلى القاهرة ليغنى كما اعتاد في ليلة شم النسيم، وهنا بدأ الخلاف بينهما. أصر كل منهما على الغناء في الليلة نفسها ولعبت الصحافة الفنية دورا كبيرا في تأجيج الصراع، إذ زاد إصرار كل طرف على موقفه وانقسمت مصر نصفين بين مشجعى حليم وفريد الأطرش. تم حل أول مشكلة... وكانت تتعلق بالمكان، ففريد الأطرش حجز "قصر النيل" وعبد الحليم سينما "ريفولى"، وحلت المشكلة الثانية المتمثلة في الموسيقيين، فقد اختارت "الفرقة الماسية" كعادتها أن ترافق عبد الحليم، أما "الفرقة الذهبية" فاختارت أن ترافق فريد.. وحدث نقص في "الفرقة الماسية" لأن بعض الموسيقيين آثروا الالتحاق بفريد في "الفرقة الذهبية" ومبررهم أنه كان أكرم من حليم في دفع مستحقات الموسيقيين، ولكن كانت المشكلة الكبرى، وهي من ستذاع حفلته على الهواء سواء في الراديو أو التلفزيون.. وهنا قرر الإعلامي الكبير جلال معوض حل هذه المشكلة، وذلك عن طريق تقديم إذاعة صوت العرب حفل فريد الأطرش، وإذاعة الشرق الأوسط حفل العندليب، والتلفزيون يقوم بتصوير الحفلتين على ألا يقوم بإذاعتهما على الهواء مباشرة. كما نجح بعدها الإعلامي اللبناني عادل مالك، في أن يجمع بين فريد وحليم في برنامجه الشهير وقتها "سجل مفتوح"، الذي يعد حتى اليوم من أهم الحوارات الفنية التي جمعت بينهما.