البقاء للأقوى عبد الواحد كنفاوي لا تمثل المقاولات الكبرى، سوى نسبة ضئيلة في النسيج المقاولاتي، لا تتجاوز 0.01 في المائة، لكنها تهيمن على الجزء الأكبر من الثروات المنتجة. بالمقابل، فإن المقاولات الصغيرة جدا تمثل أزيد من 97 في المائة من النسيج المقاولاتي، لكنها تظل الغائب الأكبر في السياسات العمومية، النتيجة تزايد حالات الإفلاس في صفوف هذا الصنف من المقاولات بوتيرة 50 ألف "وفاة" في السنة، ما يعني إفلاس مقاولة كل 10 دقائق. البرامج والإجراءات الحكومية المعتمدة لدعم هذا الصنف من المقاولات، تتضمن معايير تقصي النسبة الكبرى للوحدات الإنتاجية الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، علما أن الوحدات التي تستوفي الشروط ترتبط نسبة كبيرة منها بمجموعات اقتصادية كبرى. لذا فشلت كل البرامج الموجهة إلى المقاولات متناهية الصغر والصغيرة جدا في تحقيق الأهداف المتوخاة منها، وما تزال نسبة كبيرة من هذا الصنف من المقاولات تعيش الهشاشة وتعاني مشاكل متعددة ومتنوعة، ما يطرح السؤال حول أسباب هذا الإخفاق. ولا يزال الولوج إلى الصفقات العمومية يمثل عقبة أمام المقاولة الصغيرة جدا، إذ رغم النصوص القانونية التي تحث على تخصيص حصص لها، إلا أن الواقع البيروقراطي والضمانات المالية التعجيزية تجعل من هذه الصفقات حكرا على الحيتان الكبيرة، أو المقاولات المتوسطة والصغيرة، التي تدور في فلك المجموعات الاقتصادية الكبرى. المفارقة أنه أمام الإجماع الحاصل بشأن الأهمية الحيوية لهذه الوحدات الإنتاجية، نجد أنها تظل الفئة الأكثر إقصاء وتهميشا من وسائل النمو والتطور والدعم الفعال. إن الهيمنة العددية لا تترجم إلى قوة اقتصادية حقيقية، لأن الأغلبية الساحقة من هذه الشركات تعاني هشاشة بنيوية مزمنة، تنجم بشكل أساسي عن الغياب الفعلي للسياسات العمومية الموجهة لدعم تطورها. إن تهميش هذه الشريحة من المقاولات له ثمن اقتصادي واجتماعي باهظ، يتجلى في الهروب إلى القطاع غير المهيكل، فعندما تفشل المقاولة الصغيرة في الحصول على التمويل والدعم، تجد نفسها مجبرة على البقاء في القطاع غير المهيكل هربا من التكاليف والالتزامات، ما يعيق نموها، ويحرم الدولة من مداخيل ضريبية. إن الاستمرار في تجاهل الأغلبية الساحقة من نسيجنا المقاولاتي يعني أننا ندور في حلقة مفرغة من الأداء الاقتصادي المتذبذب، بالنظر إلى أنه متوقف على أداء مقاولات كبرى تهيمن على النصيب الأوفر من الثروات. ورغم ارتفاع قيمة الاستثمارات الخاصة التي تتم المصادقة عليها من قبل اللجنة الوطنية للاستثمار، فإن ذلك لا ينعكس على مستوى رقعة البطالة، التي تظل في مستويات مقلقة، لأن الاستثمارات الكبرى لا توفر مناصب شغل كافية لامتصاص الأعداد المتراكمة للعاطلين. وتوفر المقاولات الصغيرة جدا، بالمقابل، فرص عمل كثيرة، لكنها، غالبا، ما تكون مؤقتة وهشة بسبب نقص استقرارها المالي. ولن يتحول هذا التشغيل إلى تشغيل مستدام ولائق إلا عبر تأمين بقاء ونمو هذه المقاولات، وتجاوز مقاربة البقاء للأقوى.