يتسلح بالفوسفاط والطاقة المتجددة وموقعه الجغرافي في واشنطن، لم يكن إعلان دونالد ترامب مواصلة الحرب على إيران مجرد تصعيد عسكري، بل لحظة كشفت حدود الإجماع الغربي. فبينما كانت الإدارة الأمريكية تمضي نحو المواجهة، اختارت عواصم أوربية كبرى، من باريس إلى مدريد، التريث، مدفوعة بهاجس الكلفة الاقتصادية أكثر من أي حسابات استراتيجية. أما "الناتو"، فظهر تحالفا مترددا، يعكس تحولا عميقا في طبيعة العلاقات عبر الأطلسي، حيث لم تعد الحروب تخاض بقرار جماعي كما في السابق، بل بقرارات منفردة تتحمل واشنطن تبعاتها. هذا التردد الأوربي لا ينفصل عن إدراك متزايد بأن هذه الحرب تدار بقدر ما في الأسواق كما في الميدان. فارتفاع أسعار الطاقة، وتهديد سلاسل الإمداد، واحتمال انزلاق الاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي، كلها عوامل تجعل من أي انخراط عسكري مغامرة اقتصادية مفتوحة. في هذا السياق، لا تبدو الحرب مجرد صراع جيوسياسي، بل اختبارا لقدرة الدول على تحمل فاتورة عالمية متصاعدة، حيث تتحول الطاقة والغذاء إلى أدوات ضغط لا تقل خطورة عن السلاح. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز المغرب لاعبا صامتا لكنه مؤثر، يقف بين ضغط فاتورة الطاقة وفرص إعادة التموضع الإستراتيجي. فبينما يواجه كلفة مباشرة باعتباره مستوردا للطاقة، يمتلك في المقابل ورقة الفوسفاط عنصر حاسما في الأمن الغذائي العالمي، إلى جانب رهان متقدم على الطاقات المتجددة أداة لتقليص التبعية الخارجية. هنا، لا يتعلق الأمر بدولة تتلقى الصدمة فقط، بل بفاعل قد يوظف الأزمة لإعادة تعريف موقعه، حيث تتحول الموارد الطبيعية والاستثمار في الطاقة النظيفة إلى ما يشبه “سلاحا اقتصاديا” في زمن الحروب المفتوحة. محمد السعدوني ("الصباح" - واشنطن) في واشنطن، لا تقاس الحروب فقط بعدد الصواريخ أو خرائط السيطرة، بل بعدد النقاط التي تخسرها الأسواق، وبعدد الدول التي تجد نفسها فجأة أمام فاتورة لم تكن في الحسبان. حين أعلن دونالد ترامب مواصلة الحرب على إيران، لم يكن ذلك مجرد تصعيد عسكري، بل لحظة انفجار اقتصادي عالمي مكتوم، كان ينتظر فقط إشارة البدء. خلال ساعات، قفز النفط إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، واهتزت البورصات، وتراجعت الثقة، في مشهد يعكس أن العالم دخل مرحلة جديدة، حيث تتحول الجملة السياسية إلى زلزال مالي، وتصبح الأسواق ساحة موازية للمعركة. المغرب وحرب ما لانهاية ! ما تكشفه هذه الحرب ليس فقط حجم التوتر الجيوسياسي، بل هشاشة النظام الاقتصادي العالمي نفسه. فمجرد التلويح بتعطل مضيق حيوي كمضيق هرمز، كان كافيا لإعادة تسعير الطاقة عالميا، وفتح الباب أمام موجة تضخم جديدة قد تكون أكثر قسوة من سابقاتها. لم تعد الأزمة محصورة في النفط، بل امتدت إلى سلاسل توريد الأسمدة والمعادن، لتصل تداعياتها إلى الغذاء والصناعة، في سلسلة مترابطة من الصدمات التي تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي. في قلب هذه التحولات، لا تقف إفريقيا على الهامش، بل على خط الزلزال. دول الساحل، التي تعيش أصلا على وقع الهشاشة الاقتصادية والأمنية، تجد نفسها أمام ضغط مزدوج : ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء من جهة، وتزايد مخاطر عدم الاستقرار من جهة أخرى. لكن المفارقة أن القارة، رغم هشاشتها، تتحول أيضا إلى ساحة تنافس استراتيجي، حيث تبحث القوى الكبرى عن بدائل للطاقة والمعادن وسلاسل الإمداد. وهنا، يدخل المغرب إلى قلب المشهد. المغرب، الذي يبدو جغرافيا بعيدا عن مسرح الحرب، يتحول اقتصاديا إلى إحدى أكثر الدول تأثرا بها، ليس لأنه طرف في الصراع، بل لأنه جزء من منظومة عالمية مترابطة. كمستورد صاف للطاقة، يواجه ضغطا مباشرا مع كل ارتفاع في أسعار النفط، ما ينعكس على الميزانية، وعلى كلفة الدعم، وعلى القدرة الشرائية. كل دولار إضافي في سعر البرميل يتحول داخليا إلى معادلة دقيقة بين الحفاظ على التوازنات المالية وتفادي انفلات الأسعار. المغرب يختار في مواجهة صدمة الطاقة مقاربة تقوم على التدخل المباشر لامتصاص الارتدادات الاجتماعية والاقتصادية، عبر ضخ شهري يقارب مليارا و648 مليون درهم للحفاظ على استقرار أسعار الكهرباء وغاز البوتان والنقل. هذا التدخل لا يعكس فقط رد فعل ظرفيا، بل يكشف عن وعي حكومي بأن تقلبات السوق الدولية لم تعد أحداثا عابرة، بل عوامل بنيوية قادرة على زعزعة التوازنات الداخلية إذا تركت دون احتواء. في العمق، تحاول الرباط الحفاظ على معادلة دقيقة : حماية القدرة الشرائية للمواطنين، من جهة، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، من جهة أخرى، خاصة في قطاعات حساسة كالنقل والإنتاج. فارتفاع أسعار المحروقات بنسبة تجاوزت 12 في المائة خلال أسابيع قليلة كان كفيلا بإحداث سلسلة من الزيادات المتتالية، لولا تدخل الدولة لكبح هذا المنحى، ما يعكس انتقال المغرب من منطق “تحرير السوق” إلى منطق "تأطير الصدمة". غير أن قراءة المغرب فقط كضحية لهذه الصدمة ستكون تبسيطا مخلا بالتوازن. فداخل هذه الأزمة، تختبئ فرصة استراتيجية نادرة. يفسرها في ثلاثة عوامل مصدر دبلوماسي للصباح. أولى هذه الأوراق هي الفوسفاط. في عالم مهدد باضطرابات في سلاسل توريد الأسمدة، يتحول المغرب، أحد أكبر منتجي الفوسفاط عالميا، إلى لاعب مركزي في معادلة الأمن الغذائي الدولي. لكن هذه القوة ليست مطلقة، فهي تظل مرتبطة بمدى توفر المدخلات الأخرى الضرورية لصناعة الأسمدة، وهو ما يجعل قدرة المغرب على استثمار هذه الميزة رهينة باستقرار سلاسل التوريد العالمية. الورقة الثانية هي الطاقات المتجددة. فكلما ارتفعت أسعار النفط، زادت جاذبية الاستثمار في البدائل. والمغرب، الذي استثمر مبكرا في الطاقة الشمسية والريحية، لا ينظر إلى هذا التحول خيارا بيئيا فقط، بل كرهان سيادي لتقليص الارتهان للأسواق الدولية. في عالم تتزايد فيه صدمات الطاقة، تصبح القدرة على إنتاج الطاقة محليا عنصرا من عناصر الاستقلال الاستراتيجي. أما الورقة الثالثة، فهي الموقع الجيوسياسي. فالمغرب، الواقع على تخوم أوربا وبوابة إفريقيا، يبرز كمنصة محتملة لإعادة توجيه سلاسل الإمداد والاستثمارات. وفي لحظة تبحث فيها الشركات العالمية عن الاستقرار بدل المخاطرة، يصبح هذا الموقع عنصر جذب اقتصادي لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية. لكن كل هذه الفرص تصطدم بتحديات واقعية. فاستمرار الحرب يعني استمرار الضغط على الميزانية، وتزايد الحاجة إلى الدعم، وارتفاع كلفة التوازنات الاجتماعية. كما أن أي اضطراب طويل في الأسواق العالمية قد يحد من قدرة المغرب على استيراد المواد الأساسية اللازمة لصناعاته، بما في ذلك تلك المرتبطة بالفوسفاط نفسه. وفي امتداد هذه المعادلة، لا يمكن تجاهل البعد الإفريقي. فاضطراب دول الساحل، اقتصاديا وأمنيا، قد ينعكس بشكل غير مباشر على المغرب، سواء من خلال تدفقات غير مستقرة، أو من خلال تعقيد بيئة الاستثمار الإقليمي. لكن في المقابل، يمنح هذا الوضع المغرب فرصة لتعزيز دوره كفاعل استقرار في غرب إفريقيا، وشريك موثوق في بيئة إقليمية مضطربة. هكذا يجد المغرب نفسه أمام مفترق طرق استراتيجي : بين كلفة آنية تفرضها صدمة الطاقة، وفرصة تاريخية لإعادة التموضع داخل خريطة الاقتصاد العالمي. حرب إيران والمسار العالمي المقلق أما على المستوى الدولي، فإن السؤال الأكبر لم يعد: هل هناك أزمة؟ بل: إلى أين تتجه هذه الأزمة؟ المعطيات الحالية تشير إلى مسار مقلق. ارتفاع أسعار الطاقة، تضخم متصاعد، نمو اقتصادي متباطئ… كلها ملامح ما يعرف بـ"الركود التضخمي"، وهو أخطر سيناريو اقتصادي يمكن أن يواجهه العالم. بعض التقديرات تتحدث عن ارتفاع التضخم العالمي إلى نحو 4 %، مع تباطؤ النمو إلى أقل من 3 %، وهي مؤشرات تعكس دخول الاقتصاد العالمي منطقة هشاشة حقيقية. لكن في المقابل، هناك رأي آخر يرى أن الاقتصاد العالمي، رغم كل شيء، قد يكون أكثر قدرة على الصمود مما يبدو، خاصة مع وجود احتياطات إستراتيجية، وتنوع في مصادر الطاقة، وقدرة بعض الاقتصادات الكبرى على امتصاص الصدمات. بين هذين السيناريوهين، يقف العالم في منطقة رمادية، حيث كل شيء ممكن… وكل شيء قابل للتدهور بسرعة. في النهاية، لا يمكن قراءة هذه الحرب فقط صراعا بين واشنطن وطهران. إنها لحظة اختبار للنظام الاقتصادي العالمي بأكمله. اختبار لقدرة الأسواق على التكيف، لقدرة الدول على حماية شعوبها، ولقدرة المناطق الهشة ،مثل إفريقيا، على الصمود أمام موجة جديدة من الأزمات. أما المغرب، فسيبقى في موقع دقيق: بين التأثر المباشر بارتفاع الأسعار، والقدرة على تحويل موقعه الإستراتيجي إلى فرصة. يبقى السؤال مفتوحا… ما حدود تأثر المغرب بهذه الحرب؟ وهل العالم يسير فعلا نحو أزمة اقتصادية خانقة؟ وهل الرباط مستعدة لتحمل فاتورة حرب إيران؟ الجواب، في الحقيقة، لا يكتب في التقارير الاقتصادية… بل يرسم كل يوم في الأسواق، مع كل برميل نفط يرتفع، ومع كل جملة سياسية تقال… فتحرك العالم. هنبرغ: الفوسفاط سلاح المغرب كبيرة الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى قالت لـ «الصباح» إن الرباط تمتلك أوراقا إستراتيجية الحرب على إيران، كما يقرأها تقرير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، لا تقف عند حدود الخليج، بل تمتد تداعياتها إلى شمال إفريقيا، حيث تتحول صدمة الطاقة إلى اختبار حقيقي لهشاشة اقتصادات المنطقة، وتصبح قرارات تُتخذ في مضيق بعيد قادرة على التأثير في مواسم الزراعة، وأسعار الغذاء، واستقرار المجتمعات. داخل هذا المشهد، يبرز المغرب حالة مركبة، لا يمكن تصنيفها بسهولة ضمن خانة المتضرر أو المستفيد. فالتقرير يشير إلى أن الرباط تمتلك أوراقا إستراتيجية مهمة، وعلى رأسها الفوسفاط، لكنها في الوقت نفسه تظل مرتبطة بسلاسل توريد عالمية مضطربة، خاصة في ما يتعلق بالمدخلات الصناعية الضرورية لصناعة الأسمدة. هنا، تتجلى المفارقة: بلد يملك مفاتيح مادة حيوية للأمن الغذائي العالمي، لكنه يظل رهينا بتوازنات خارجية تحدد قدرته على تحويل هذه الميزة إلى مكسب اقتصادي فعلي. وبين ضغط فاتورة الطاقة من جهة، وإمكانية إعادة التموضع داخل خريطة الاقتصاد العالمي، من جهة أخرى، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة تفرض عليه تدبير الأزمة بعقلانية إستراتيجية. فهل نحن أمام ظرفية عابرة سرعان ما ستنقضي، أم لحظة مفصلية قد تعيد رسم أدوار الدول في المنطقة؟ هذا السؤال، وغيره، نطرحه في هذا الحوار مع الدكتورة «سابينا هنبرغ» بجامعة «جون هابكينغ»، كبيرة الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، لفهم أعمق لتداعيات الحرب على شمال إفريقيا، وحدود قدرة المغرب على تحويل التحدي إلى فرصة. استنادا إلى تقريركم، هل نحن أمام صدمة طاقية مؤقتة أم بداية تحول هيكلي طويل الأمد قد يفرض ضغوطا تضخمية مستمرة على اقتصادات شمال إفريقيا؟ > أعتقد أنه من المبكر جدا الجزم بما إذا كانت الحرب تحدث تحولا هيكليا كبيرا، يمكن أن يكون له تأثير مستدام على اقتصادات شمال إفريقيا. لكن بحسب فهمي، فإن الحرب قد أحدثت بالفعل، أو يمكن بسهولة أن تحدث، آثارا اقتصادية طويلة الأمد في مناطق مثل شمال إفريقيا. فعلى سبيل المثال، يستعد المزارعون حاليا لموسم الزراعة، ما يعني أن محصول العام المقبل قد يتأثر إذا واجهوا ارتفاعا في أسعار الأسمدة أو نقصا في توفرها. إلى أي مدى يمكن أن تمتد تداعيات هذه الحرب إلى إفريقيا ، وخاصة منطقة الساحل، ليس فقط اقتصاديا، بل أيضا عاملا قد يعمق عدم الاستقرار الجيوسياسي؟ > منطقة الساحل معرضة بالفعل لمخاطر اقتصادية، وهي تعيش أصلا حالة من عدم الاستقرار الخطير. فالعنف، وضعف الحكامة، والهشاشة الاقتصادية كلها سمات تميز الحياة اليومية في دول مثل النيجر وبوركينا فاسو ومالي. ولا أود المبالغة في سرعة أو سهولة انتقال تأثيرات الحرب مع إيران إلى الساحل، إذ إن ذلك يعتمد إلى حد كبير على مدة استمرار الحرب، وهو أمر لا يزال غير واضح. لكن إذا طال أمد الحرب، فستستمر في إحداث تداعيات سلبية على إدارة الاقتصاد في دول شمال إفريقيا مثل تونس، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تأثيرات غير مباشرة على الساحل، حيث قد يصبح الأفراد أكثر قابلية للانضمام إلى جماعات متطرفة. في حالة المغرب، الذي يجد نفسه بين ارتفاع تكاليف الطاقة وإمكانيات تحقيق مكاسب إستراتيجية، هل ترون أن الرباط ستتحمل بالأساس العبء الاقتصادي لهذه الحرب، أم أن لديها فرصة واقعية لتحويل هذه الأزمة إلى مكسب إستراتيجي طويل الأمد؟ > مرة أخرى، هذا يعتمد بشكل كبير على ما سيحدث على المستوى العالمي. في الوقت الراهن، قدرة المغرب على الاستفادة من مزاياه، مثل موارده من الفوسفاط، تتأثر بمدى قدرته على تأمين المدخلات الأخرى اللازمة لصناعة الأسمدة. وإذا تغير هذا الوضع، فأعتقد أن المغرب سيكون مستعدا للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويلها إلى مكاسب.