المحاكمة اقتربت من النهاية في المرحلة الابتدائية والغموض يلف القضية برمتها كلما اقترب ملف "إسكوبار الصحراء" الذي يتابع فيه سعيد الناصيري وعبد النبي البعيوي إلى جانب آخرين، من النهاية، في المرحلة الابتدائية، إلا وظهرت مؤشرات تفيد أن شيئا ما مازال طي الغموض والكتمان، وأن كل ما قيل سواء في محاضر الضابطة القضائية أو أمام قاضي التحقيق أو حتى في جلسات المحاكمة، ليس الحقيقة الكاملة، بل هناك جزء ما زال لم يكشف عنه، وهو ما يثير تساؤلات عديدة حول الملف وتداعياته. إنجاز: كريمة مصلي تشمل لائحة التهم الموجهة للناصيري، حسب قاضي التحقيق، جرائم خطيرة مثل التزوير في محررات رسمية، واستعمال اتفاقات مشبوهة، والمشاركة في تصدير المخدرات بدون ترخيص، إلى جانب النصب واستغلال النفوذ وصفقات مالية مشبوهة بالعملة الأجنبية. ويتابع الناصيري أيضا بمحاولة التأثير على الشهود وتهديدهم للإدلاء بتصريحات كاذبة، كما يواجه اتهامات تتعلق بإخفاء ممتلكات متحصلة من جنح، وتزوير واستعمال شبكات تجارية، حسب المادة 316 من مدونة التجارة. في المقابل، أسقط قاضي التحقيق تهمة خرق الأحكام المتعلقة بحركة المخدرات داخل نطاق الجمارك، المنصوص عليها في الفصل 279 مكرر مرتين من مدونة الجمارك. روايات ومعطيات خلال جلسة الخميس الماضي، أمام غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال باستئنافية البيضاء، التي خصصت لمواصلة مرافعات المحامين الذين يؤازرون سعيد الناصيري، حاول المحامي المسعودي، تأسيس مرافعته على الرويات التي صاحبت الملف، وأشار إلى أن مؤازره ليس الطرف الوحيد المعني بالالتزامات موضوع الملف، مشددا على أن مختلف الأطراف، بما في ذلك الشهود والنيابة العامة، سبق أن قدموا روايات ومعطيات متقاطعة حول الوقائع، موضحا أن "التصريحات الخيالية" التي وردت على لسان أحد الأطراف، تم تنزيلها إلى أرض الواقع خلال أطوار المحاكمة، مبرزا أن الجلسات العلنية مكنت من كشف تفاصيل دقيقة، جعلت الرأي العام يقف على حقيقة عدد من الوقائع التي كانت محاطة بالغموض. وانتقد الدفاع اقتصار ممثل النيابة العامة على محاضر الضابطة القضائية، دون تقديم عناصر جديدة تدعم الاتهام، مشيرا إلى أن عرض النيابة لم يخرج عن إطار التناقضات الواردة في تصريحات الأطراف. ومن النقاط التي اعتبرها الدفاع محورية في الملف أن المتابعة لا يمكن أن تقوم إلا على حجج دامغة أو قرائن قوية ومنسجمة، مستندة إلى مقتضيات المادتين 286 و287 من قانون المسطرة الجنائية، واللتين تؤكدان على ضرورة مناقشة الأدلة أمام المحكمة بشكل حضوري وشفوي، مشيرا إلى أن النيابة العامة غيبت جزءا مهما من الحجج التي تمت مناقشتها خلال الجلسات، خاصة الشهادات المؤداة تحت القسم والوثائق الجازمة التي كان ينبغي إثارتها من قبل النيابة العامة التي يفترض أن دورها هو تمثيل المجتمع وليس الانحياز إلى جهة معينة. غياب الأركان القانونية واصل المحامي مرافعته أمام هيأة الحكم التي يترأسها القاضي المستشار، علي الطرشي، بالتأكيد أن الاتهامات الموجهة إلى موكله تفتقر إلى الأركان القانونية اللازمة، خاصة في ما يتعلق بجريمة التزوير، مشيرا إلى أن تغيير الحقيقة غير قائم في النازلة، لغياب أي عقد عرفي أو وثيقة مزورة يمكن الاستناد إليها، مضيفا أن سوء النية، باعتباره ركنا أساسيا في مثل هذه الجرائم، غير ثابت إطلاقا، كما أن الضرر المفترض غير موجود، بالنظر إلى أن العقار موضوع النزاع محفظ وتم تفويته بعقد رسمي مستوف لكافة الشروط القانونية. فيلا كاليفورنيا... لمن تعود ملكيتها؟ فيلا كاليفورنيا أو العقار الغامض، كانت حاضرة في مرافعة الدفاع الذي توقف عند واقعة شراء فيلا قيل إن ثمنها بلغ 33 مليون درهم، إذ اعتبر أن الرواية التي قدمها أحد الأطراف تفتقر إلى المصداقية، متسائلا عن صحة ادعاء شخص اقتناء عقار من البعيوي، الذي لم يكن مالكا له أصلا، موضحا في الوقت نفسه أن الملكية كانت لسامية الزوجة السابقة للبعيوي، قبل أن تنتقل إلى المير بلقاسم، وهو ما كان معلوما لدى المشتكي نفسه، وفق تصريحات سابقة وشهادات، من بينها ما ورد في محضر الاستماع للفنانة لطيفة رأفت، كما أن الحديث عن عملية بيع بذلك المبلغ لا يستقيم منطقيا ولا قانونيا، خاصة أن القيمة الحقيقية للعقار، وفق عقد البيع المصرح به، لا تتجاوز مليارا و600 مليون سنتيم، وهو المبلغ الذي سبق أن صرح به الناصيري. واستند الدفاع إلى مجموعة من قرارات محكمة النقض واجتهادات قضائية تؤكد ضرورة توفر القصد الجنائي الخاص والركن المعنوي في جرائم النصب والتزوير، معتبرة أن هذه الشروط غير متوفرة في الملف، مبرزا أن المتابعة بنيت على فرضيات واستنتاجات لا ترقى إلى مستوى الإثبات القانوني. المخدرات... هل الناصيري متورط؟ حاول المحامي المسعودي خلال مناقشته لتهم الارتباط بشبكات الاتجار الدولي في المخدرات، التي يتابع بها الناصيري، الخروج بخلاصة مفادها أن كل الاتهامات تستند أساسا إلى تصريحات متهم آخر، دون وجود أدلة مادية أو قرائن قوية تدعمها، مضيفا أن المتهم لم يذكر اسم الناصيري خلال مراحل التحقيق السابقة ولا عبر سنوات، متسائلا عن مصداقية أقوال بنيت على السماع أو التخمين. ولفت المحامي الانتباه إلى أن عددا من الأشخاص الذين تم تقديمهم باعتبارهم منسقين في تلك العمليات، سبق أن تمت تبرئتهم بأحكام قضائية نهائية، صادرة عن مختلف درجات التقاضي، بما فيها محكمة النقض، وهو ما يقوض فرضية وجود شبكة منظمة، والشيء نفسه بالنسبة إلى شبهة تبييض الأموال، إذ أكد الدفاع أن الناصيري قدم توضيحات مفصلة بشأن جميع التحويلات المالية التي عرفها حسابه البنكي، مبرزا مصادرها ووجهتها، مشيرا إلى أن هيأة دفاع الناصيري تقدمت بشكايات لدى النيابة العامة تتضمن أسماء أشخاص يمكنهم توضيح هذه المعاملات، غير أنه لم يتم الاستماع إليهم، مضيفا أن طبيعة مهام موكله، برلمانيا لثلاث ولايات ورئيسا سابقا لناد رياضي كبير ورئيس مجلس عمالة الدار البيضاء، تفسر حجم المعاملات المالية التي يقوم بها، مؤكدا أنها ذات مصادر مشروعة ومحددة. تقادم جنح المتابعة أثار الدفاع خلال مرافعته التي استغرقت ساعات، مسألة التقادم، مؤكدا أن جميع الوقائع ذات الطابع الجنحي، بما فيها النصب واستغلال النفوذ والاحتفاظ بأشياء متحصلة من جنح، قد طالها التقادم، مستندا في تبرير ذلك إلى قرار صادر عن محكمة النقض، اعتبر أن التقادم من النظام العام، ويمكن إثارته في أي مرحلة من مراحل الدعوى، ملتمسا في نهاية في ختام مرافعته، البراءة للناصيري لأن الملف يفتقر إلى أدلة قاطعة، مبرزا في الوقت ذاته أن التعديلات الأخيرة التي عرفها قانون المسطرة الجنائية، والتي دخلت حيز التنفيذ في دجنبر 2025، أعادت النظر في القيمة القانونية لمحاضر الضابطة القضائية، ولم تعد تتمتع بالقوة الثبوتية السابقة نفسها، بل يعتد بها على سبيل الاستئناس فقط، وليست حجة قاطعة، إلا في حالات محددة، مؤكدا أن هناك فرقا كبيرا بين الاعتداد بالمحاضر وبين الوثوقية المطلقة، داعيا المحكمة إلى التعامل مع هذه الوثائق بحذر، خاصة عندما تتعارض مع ما راج أمامها خلال الجلسات العلنية. وفي ختام الجلسة، قررت المحكمة تأجيل النظر في القضية إلى الخميس المقبل، من أجل استكمال الاستماع إلى مرافعات هيأة الدفاع، في انتظار إنهائها في الأسابيع المقبلة لكي تقول هيأة المحكمة كلمتها في الموضوع. هيأة المحكمة أمام تحدي الحكم المحرر على امتداد جلسات المحاكمة التي انطلقت منذ ماي الماضي، واستمرت لعشرات الجلسات، منح القاضي المستشار، علي الطرشي، الوقت الكافي للمناقشة بدءا من الدفوع الشكلية ومرورا بالاستماع إلى المتهمين والشهود ومرافعات النيابة العامة ووصولا إلى مرافعات دفاع المتهمين، وهي إشارة قوية على أن هيأة المحكمة تريد الإحاطة بالملف من كل جوانبه، قبل أن تصدر حكمها في القضية، خاصة أن التعديلات التي حملتها المسطرة الجنائية في شأن إصدار الأحكام في المادة 364 نصت على أنه يجب أن تكون الأحكام محررة قبل النطق بها، وفي حال تعذر ذلك فإن الحكم يجب أن يكون محررا داخل أجل لا يزيد عن ثمانية أيام من تاريخ النطق به، كما أن المادة 8-383 أكدت أنه يتعين النطق بالأحكام وهي محررة، إذ أشارت المادة 1-429 إلى أنه إذا تعذر إصدار القرار في الحال يمكن لغرفة الجنايات جعل القضية في المداولة لمدة لا تتجاوز 15 يوما، وفي هذه الحالة يحدد رئيس غرفة الجنايات تاريخ النطق بالقرار ويعلم به الأطراف، ويصدر القرار في الموعد المحدد لذلك، ويتعين في هذه الحالة أن يكون محررا.