بين شرعية الاختصاص ومقتضيات الحماية الدستورية بقلم: ذ. كمال الهشومي (*) لم يعد النقاش المرتبط بأسعار المحروقات، في ظل السياق الدولي المضطرب، قابلا للاختزال في بعده الاقتصادي التقني، بل أضحى إشكالا دستوريا مركبا، تتقاطع فيه اعتبارات الشرعية المؤسساتية مع رهانات العدالة الاجتماعية. فالتقلبات الجيوسياسية واختلال سلاسل التوريد العالمية، وما يترتب عنها من ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة، لم تعد مجرد معطيات خارجية، بل تحولت إلى محدد مباشر لشروط العيش اليومي للمواطن، بما يشمله ذلك من تأثير على النقل، والمواد الأساسية، والخدمات، ومن ثم على الكلفة العامة للحياة. من زاوية الاختصاص، يبدو أن تدخل الحكومة في تدبير سوق المحروقات، بعد مرحلة التحرير، لا يثير إشكالا دستوريا مباشرا. فبمقتضى الفصل 89 من الدستور، تمارس السلطة التنفيذية اختصاصاتها في تنفيذ السياسات العمومية، وتتوفر على سلطة تنظيمية تتيح لها تأطير السوق ضمن القواعد العامة. وعليه، فإن اعتماد آلية الأسعار، في حد ذاته، يندرج ضمن نطاق المشروعية الدستورية، ولا يشكل خروجا عن مقتضيات توزيع الاختصاص. غير أن هذا التكييف الشكلي يظل قاصرا عن استيعاب العمق الحقيقي للإشكال. فالدستور المغربي لسنة 2011 لا يؤسس لدولة تكتفي بضمان حرية السوق، بل يكرس نموذجا لدولة اجتماعية تضطلع بوظيفة التوازن والحماية، إذ ينص الفصل 31 على التزام السلطات العمومية بتعبئة الوسائل الكفيلة بضمان ولوج المواطنات والمواطنين إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كما يؤكد الفصلان 39 و40 على مبدئي العدالة الجبائية والتضامن في تحمل الأعباء. وهذه المقتضيات لا تلغي آليات السوق، لكنها تؤطر آثارها، وتمنع تحولها إلى أداة لإلقاء عبء الأزمات بشكل أحادي على الفئات الأكثر هشاشة. من هذا المنطلق، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في سؤال مشروعية رفع الأسعار أو الإبقاء عليها، بل يتعين نقله إلى مستوى أكثر تركيبا يتعلق بكيفية تدبير آثار هذا الرفع. فالمعيار الدستوري لا يقاس فقط بمصدر القرار، ولكن أيضا بنتائجه وانعكاساته على التوازن الاجتماعي. وهنا تتجلى إحدى أهم تحولات الفكر الدستوري المعاصر، الذي لم يعد يكتفي برقابة الشكل والاختصاص، بل امتد ليشمل تقييم الأثر الاجتماعي للسياسات العمومية. إن الإشكال الدستوري الحقيقي يبرز، إذن، ليس في تبني منطق السوق في حد ذاته، بل في الكيفية التي تدار بها تداعياته. فكيف يمكن، في ظل دستور يقر صراحة بمبادئ التضامن والعدالة في توزيع الأعباء، أن يترك المواطن في مواجهة مباشرة مع صدمات اقتصادية ذات منشأ خارجي؟ وكيف يستقيم، من منظور دستوري، أن تتحول الدولة إلى مجرد وسيط ناقل لاضطرابات السوق، بدل أن تضطلع بدور الحاجز الواقي الذي يخفف من حدتها؟ وتزداد حدة هذا الإشكال حين يقترن ارتفاع الأسعار باتساع هوامش الربح، أو بظهور ممارسات احتكارية ومضاربية، في غياب تدخل فعال لضبط السوق. ففي مثل هذه الحالات، لا يتعلق الأمر فقط بغياب الحماية، ولكن بإعادة توزيع غير متكافئة للثروة، يستفيد منها فاعلون اقتصاديون على حساب عموم المواطنين. وهنا ينتقل النقاش من دائرة المشروعية إلى مجال العدالة، ومن سؤال "هل القرار دستوري؟" إلى سؤال "هل أثره منصف؟". وعليه، فإن جوهر الإشكال لا يكمن في التعارض بين السوق والدولة، بل في كيفية تحقيق التوازن الدستوري بين سلطة التدبير الاقتصادي وواجب الحماية الاجتماعية. فالحكومة التي تكتفي بتبرير سياساتها بمنطق السوق، دون تفعيل آليات تصحيح الاختلال، تكون قد أفرغت التزامها الاجتماعي من مضمونه، حتى وإن ظلت منسجمة شكليا مع قواعد الاختصاص. إن الرهان الدستوري الحقيقي يتمثل، بالتالي، في تأطير السوق ضمن أفق اجتماعي يحد من آثاره السلبية، ويحول دون تحوله إلى آلية لإنتاج الفوارق. فالدستور لا يفرض على الحكومة التحكم المباشر في الأسعار، لكنه يلزمها بضمان ألا تتحول تقلباتها إلى مصدر للغبن والظلم الاجتماعيين أو لتقويض مبدأ تكافؤ الفرص. وفي هذا السياق، تتجلى الوظيفة العميقة للدستور، ليس فقط كوثيقة لتنظيم السلط، بل كإطار معياري لتوجيه السياسات العمومية نحو تحقيق العدالة والتوازن. فالدستورية لا تختزل في سلامة القرار من حيث الاختصاص، بل تقاس بمدى احترامه لمبدأ التضامن وعدالة توزيع الأعباء. حين يتكلم الدستور بين منطق السوق وواجب الحماية، فإنه يجعل التحدي المركزي يظل هو قدرة الدولة على إثبات أنها لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تسعى إلى تحصين المجتمع من آثارها. فالدولة الدستورية لا تختبر في لحظات الاستقرار، بل في قدرتها على التدخل حين تختل الموازين، لضمان ألا تتحول الأزمات الاقتصادية إلى أزمات اجتماعية تمس جوهر العقد الدستوري ذاته. (*) أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري