fbpx
حوادث

الرقابة القضائية على قرارات المحافظ العقاري

المحاكم الابتدائية المختصة نوعيا بالبت في طعون رفض التحفيظ وإلغائه    (الحلقة الثانية

بقلم: ذ. فكير عبد العتاق  *
بقلم: ذ. فكير عبد العتاق *
)

اعتبر الجانب الغالب من الفقه، ونسانده الرأي، أن المحاكم الابتدائية تبقى هي المختصة نوعيا بالبت في الطعن المذكور، وما يعزز هذا الرأي هو عبارة «في جميع الحالات» الواردة في الفصل 37 مكرر، والتي نعتبر بأنها تستوعب وتشمل قراري رفض التحفيظ وإلغاء المطلب،

وفي هذا الاتجاه أصدرت محكمة النقض قرارا حديثا تحت عدد 82 بتاريخ 15/01/2015 في الملف رقم 3538/4/1/2014-غير منشور- ورد فيه « حيث صح ما عاب به الطاعن الحكم المستأنف ذلك أن القوانين الإجرائية المتعلقة بالاختصاص تطبق بأثر فوري من تاريخ صدورها ولو على القضايا التي لم يصدر بشأنها حكم نهائي، ومن الثابت أن المستأنف التمس إلغاء قرار المحافظ القاضي بالتشطيب على مطلب التحفيظ وهو ما يندرج ضمن حالات رفض طلب التحفيظ المنصوص عليها في الفصل 37 مكرر من ظهير التحفيظ العقاري، كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 07-14، والذي ينعقد الاختصاص النوعي بشأن الطعن في القرارات المتخذة بخصوصها للمحكمة الابتدائية خلافا لما نحاه الحكم المستأنف الذي جانب الصواب، فيكون واجب الإلغاء والتوجه نفسه أكدته محكمة النقض الإداري رقم 1679/4/1/2014 وكذلك قرارها عدد 312 الصادر بتاريخ 13/03/2014 في الملف الإداري رقم 11/4/1/2014 الذي أدرج حالة تعذر إنجاز عملية تحديد الملك موضوع النزاع لمرتين متتاليتين بسبب النزاع حوله ضمن حالات رفض التحفيظ التي يشملها الفصل 37 مكرر.
وباستعراضنا للنصوص القانونية المتعلقة بحالات إلغاء مطلب التحفيظ تستوقفنا بعض العبارات الواردة فيها والتي تستدعي في نظرنا التوقف عندها والتعليق، ذلك أنه ورد في الفصل 23 من ظهير التحفيظ العقاري أن عدم قيام طالب التحفيظ بما يلزم لإجراء عملية التحديد يترتب عنه جزاء إلغاء مطلبه، فأول ما يلاحظ على عبارة «عدم القيام بما يلزم» هو أنها وردت عامة وفضفاضة، وبالتالي فإنها تترك للمحافظ سلطة تقديرية واسعة لإلغاء المطلب بحسب تقديره لتلك الواقعة السلبية وهذه السلطة التقديرية تمتد إلى عدم الإدلاء، «بعذر مقبول» كما ورد في الفصل 23 المذكور، وقد يعارض بعض الممارسين هذا التخوف من جانبنا المؤسس على صياغة النص المذكور باستعراضهم بعض صور عدم القيام بما يلزم لإجراء عملية التحديد، كعدم إحضار الأحجار أو الطلاء أو عدم معرفة طالب التحفيظ للحدود، لكننا نجيبهم أن الصياغة المذكورة غير دقيقة وتحمل في طياتها مخاطر المس بحقوق طالبي التحفيظ والمثل الفرنسي يقول «في التفاصيل يوجد الشيطان»، لذلك نعتبر حقوق الأفراد والجماعات تبدأ من صياغة النصوص القانونية وما تسمح به من تأويلات ليأتي دور القضاء حال التمسك بذلك ممن له المصلحة .
كما أن جزاء إلغاء مطلب التحفيظ، في حال تعذر إنجاز عملية التحديد لمرتين بسبب نزاع حول الملك، يعتبر جزاء قاسيا، ويتعارض أصلا  مع مقتضيات الفصل 20 من ظهير التحفيظ العقاري الذي نص على أنه :
«ينجز التحديد في التاريخ والوقت المعين له ولتوفير الظروف الملائمة لإجراء عمليات التحديد يجب على وكيل الملك تسخير القوة العمومية عند الاقتضاء بطلب من المحافظ على الأملاك العقارية أو كل من له مصلحة».
وهو جزاء يعاقب طالب التحفيظ بإلغاء مطلبه، رغم أنه لا يتحمل أي مسؤولية مباشرة في ذلك التعذر، ما دام النزاع حول الملك هو أمر وارد دوما (إن لم نقل محقق) بالنظر إلى واقع ووضعية العقارات غير المحفظة، وأن الإطار القانوني المناسب الذي يجب أن يصنف ضمنه ذلك النزاع هو تسجيله كتعرض على المطلب لا إلغاء هذا الأخير، وإلا فإن أغلب مطالب التحفيظ إن لم نقل كلها ستلغى تطبيقا للقانون بمجرد أن ينتبه ذوو النيات السيئات للمقتضيات المذكورة مع استثناء الحالات التي يتم فيها المس بالأمن والنظام العام بشكل خطير – كالمنازعات بين الجماعات السلالية المختلفة، والتي يكون فيها جزاء إلغاء المطلب أهون وأسلم مما قد يترتب عن مواصلة الإجراءات بشأنه.
ولا يفوتنا أن نشير ولو بعجالة إلى أن الطعن في قرار رفض تأسيس رسم عقاري جزئي بخصوص جزء غير منازع فيه بعد إجراء تحديد تكميلي، يكون منعقدا للمحكمة الابتدائية بصريح الفصل 23 من القرار الوزيري المؤرخ في 03/06/1915 المتعلق بتفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري، وكذلك الطعن في حالة رفض تسليم نظير جديد للرسم العقاري أما بناء على تقدير المحافظ أو لوقوع تعرض على ذلك – الفصل 103 من ظهير التحفيظ العقاري كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 07-14. أما بخصوص قرار رفض إرجاع نظير رسم عقاري لأصحابه رغم ثبوت انتهاء التسجيلات التي كانت سبب وضع النظير المذكور لدى المحافظ، فقد اعتبره المجلس الأعلى سابقا محكمة النقض حاليا قرارا إداريا متسما بالشطط في استعمال السلطة وقابلا للطعن فيه بالإلغاء لعدم وجود دعوى موازية أمام القضاء الشامل –القرار عدد 158 الصادر بتاريخ 06/04/1995 في الملف الإداري رقم 10058/94 – منشورات المجلس الأعلى في ذكراه الأربعين – سنة 1997- ص 309.
      أما بالنسبة إلى قرار تأسيس الرسم العقاري، فلا يقبل الطعن باعتباره المنطلق الوحيد للحقوق العينية والتحملات العقارية المترتبة على العقار وقت تحفيظه دون ما عداه من الحقوق غير المقيدة، وهو ما ينص عليه الفصل 62 من ظهير التحفيظ العقاري وأكده العمل القضائي المتواتر على مستوى محكمة النقض 4 وبالتالي يبقى للمتضرر من التحفيظ المذكور الحق فقط في المطالبة بالتعويض عن الضرر الناتج عن التحفيظ نتيجة التدليس.
* رئيس غرفة بمحكمة النقض

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى