العرض والأسعار عبد الواحد كنفاوي تصدر بيانات مطمئنة في كل مناسبة مرتبطة باستهلاك الأسر، تؤكد فيها الجهات الرسمية أن العرض يفوق الطلب وأن كل الترتيبات اتخذت لتوفير المواد التي يكثر عليها الطلب، لكن هذه الوفرة المزعومة لا يظهر لها أثر في الأسواق، إذ بدل أن تخفض الأسعار، وفق قانون العرض والطلب، فإنها تلتهب، ما يطرح تساؤلات حول مصداقية المعطيات التي يتم الترويج لها. هذه المفارقة تتجلى بوضوح، حاليا، في سوق الأغنام، إذ رغم تضاعف أعدادها بمرتين في ظرف شهور معدودة، وفق معطيات وزارة الفلاحة، فإن الأسعار عرفت ارتفاعا ملحوظا، على بعد أسابيع من شعيرة عيد الأضحى، ما يطرح تساؤلات حول غياب أثر وفرة العرض بالأسواق. لقد استبشر المواطنون خيرا، عندما أظهرت المعطيات الرسمية تحسنا ملموسا في وضعية القطيع الوطني، وإثر الأمطار الغزيرة التي عرفها المغرب في هذا الموسم، ما وفر الكلأ الطبيعي وخفف العبء عن مربي الماشية، الذين عانوا سنوات من الجفاف. كما طمأنت البيانات التي تم الترويج لها بشأن أضحيات العيد، التي أوحت بأن الأمور تسير نحو الأحسن، وأن المغاربة سيتمكنون هذه السنة، على غرار باقي الشعوب الإسلامية بالاحتفاء بشعيرة عيد الأضحى وبنحر أضحياتهم، وأن الأسعار ستكون رحيمة بجيوب المواطنين. لكن البوادر تشير إلى أن الأسعار ستسجل زيادات تصل إلى حوالي ألف درهم، وفق آراء المهنيين، بالنظر إلى تكلفة التسمين، علما أن السلطات العمومية خصصت الملايير لدعم الأعلاف والحفاظ على إناث الغنم. وتبرز هذه المعطيات أن المشكلة ليست، بالضرورة، في ضعف الإنتاج، لكن التحدي الأكبر يكمن في المسافة الشاسعة بين الفلاح الذي ينتج، والمستهلك الذي يشتري. هذه المسافة تملؤها شبكة معقدة من الوسطاء والفاعلين في سلاسل التوزيع، تتحول تدريجيا إلى قنوات احتكارية تسيطر عليها أياد قليلة، قادرة على التحكم في مسار المنتوجات من الحقول إلى الموائد، لتعبث بكل قوانين العرض والطلب وحرية الأسواق التي تدرس في كليات الاقتصاد، مسببة بذلك فوضى في الأسعار. وعندما تتركز قوة التحكم في السوق في يد أقلية، فإن المنافسة تتراجع، ويصبح هؤلاء اللاعبون قادرين على فرض هوامش ربح مبالغ فيها. ولا يقتصر الضرر على المستهلك، بل يمتد ليطول الفلاح المنتج أيضا، فالمحتكرون يستغلون غياب قنوات توزيع بديلة ليفرضوا على الفلاحين أسعارا منخفضة لا تغطي في كثير من الأحيان تكاليف إنتاجهم، ما يحبط عزائمهم ويهدد استمرارية نشاطهم، ويجعلهم الحلقة الأضعف في هذه السلسلة. ويتضح أن الأسعار بالأسواق المغربية لا تخضع لقانون العرض والطلب، بل لمصالح أقلية تتحكم في حلقات التوزيع وتفرض قوانين خاصة بها تعيث فسادا في الأسواق. ويصبح الدعم المخصص للإنتاج مجرد ريع إضافي لفائدة هذه الفئة من المسيطرين على الأسواق، في غياب إجراءات وأجهزة مراقبة تضع حدا لفوضى الأسعار، التي تضر بالبلاد والعباد.