ياسين قُطيب هناك فرق شاسع بين الثقة المشروعة، وذلك النوع من الاطمئنان المفرط الذي يلامس حدود الوهم. وحين يخرج من يعلن، بقدر كبير من اليقين، أن حزبا بعينه سيظل سبيل المغاربة أجمعين نحو الدولة الاجتماعية ودولة الرفاه والحقوق والحريات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بموقف سياسي عابر، بل يعكس تصورا مغلقا للعالم، يلغي التعدد ويختزل المجتمع في عبارة واحدة مريحة. فقد أصبح المغرب تعددية سياسية وفكرية واجتماعية، بفضل ما راكمه المواطنون من وعي نقدي يجعلهم أقل قابلية لتصديق الخطابات المطلقة، لذلك لم يعد الحديث باسم الجميع يقنع أحدا، بقدر ما يكشف عن مسافة آخذة في الاتساع بين الخطاب والواقع. ولا أحد ينكر أن الاتحاد الاشتراكي على سبيل المثال يشكل جزءا من الذاكرة السياسية الوطنية، وأن له رصيدا محترما في مسار النضال من أجل الديمقراطية، غير أن هذا الرصيد، مهما كانت قيمته، لا يمكن أن يتحول إلى شهادة دائمة الصلاحية، ولا إلى أصل رمزي يعفي من ضرورة التجديد وإعادة بناء الثقة. لقد تغيرت قواعد اللعبة السياسية. لم يعد المواطن يبحث عمن يتحدث باسمه، بل عمن ينجح في خدمته. ولم يعد التاريخ وحده مصدرا للشرعية، بل أصبحت النتائج الملموسة، في تفاصيل الحياة اليومية، هي المعيار الحقيقي للمصداقية. وفي هذا السياق، يبدو أن التحدي لم يعد في إعلان الريادة، بل في استحقاقها. ليس في ادعاء تمثيل الجميع، بل في القدرة على إقناع جزء متزايد من المواطنين بجدوى المشروع. وليس في استعادة لغة الماضي، بل في بناء خطاب جديد يلامس انتظارات الحاضر. لن تبنى الدولة الاجتماعية باليقين الخطابي، ولا بالاحتكار الرمزي، بل بالتعدد وبالنقد وبالعمل الجاد القابل للقياس والمساءلة. وما عدا ذلك، يظل أقرب إلى تمرين لغوي… منه إلى مشروع سياسي قابل للتحقق. فأين نحن اليوم من هذه الدولة الاجتماعية؟ هل تعكس أوضاع الصحة العمومية ملامح دولة الرفاه ؟ وهل استطاعت المدرسة أن تؤسس لتكافؤ حقيقي للفرص ؟ وهل يشعر المواطن بأن كرامته مصونة خارج دائرة الخطابات ؟ الواقع يفرض أسئلته بإلحاح، ولا يترك مجالا كبيرا للمجاز. وهو واقع لا يمكن القفز عليه بعبارات جامعة من قبيل "المغاربة أجمعون" لأن هذه الصيغة، بدل أن توحد، تكشف عن نزوع نحو التعميم المريح الذي يعوض غياب الإقناع.