خالد العطاوي لم يعد ما جرى خلال الأشهر الماضية من استهداف متكرر للموانئ المغربية، تحت غطاء الاحتجاج أو "النصرة"، مجرد مواقف عفوية أو ردود أفعال ظرفية على الحرب في غزة، بل بدأ يتضح تدريجيا أن الأمر يتجاوز ذلك إلى منطق أشبه بما يمكن وصفه بـ"القرصنة" التي تستهدف شرايين الاقتصاد الوطني. اليوم، ومع تصاعد التوترات في منطقة الخليج، وتحديدا ما تقوم به إيران في مضيق هرمز، حيث تحاول فرض شروطها على حركة الملاحة الدولية، عبر التهديد أو التعطيل أو الابتزاز غير المباشر، باتت الصورة أكثر وضوحا لدى كثير من المغاربة: المنطق نفسه، وإن اختلفت الأدوات والسياقات. في الحالة الإيرانية، لا يتعلق الأمر فقط بصراع عسكري أو جيوسياسي، بل باستخدام موقع إستراتيجي حيوي ورقة ضغط، عبر التحكم في مرور السفن وتهديد الأمن البحري، بما يشبه سلوك "دولة قرصنة" حديثة، تعيد تعريف النفوذ من خلال خنق التجارة العالمية أو توجيهها. أما في المغرب، فقد بدا لافتا، خلال فترة الحرب على غزة، أن بعض التنظيمات، وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان وبعض التيارات اليسارية الراديكالية، وجهت بوصلتها نحو الموانئ، لا باعتبارها فضاءات اقتصادية سيادية، بل أهدافا للضغط والتعطيل، فالدعوات إلى محاصرة الموانئ، ووقف الأنشطة التجارية، ومنع مرور بعض السفن، لم تكن مجرد شعارات احتجاجية، بل حملت في طياتها تصورا خطيرا لوظيفة هذه المنشآت الحيوية. الخطير في هذا المنحى أنه يضرب في العمق فكرة الدولة ووظائفها الأساسية، وعلى رأسها ضمان استمرارية المرافق الحيوية وحماية الاقتصاد الوطني، فالموانئ ليست مجرد نقاط عبور، بل هي رئة الاقتصاد، وأي تعطيل لها، تحت أي ذريعة، يعني المساس المباشر بمصالح المواطنين أنفسهم. قد يختلف السياق بين دولة تخوض صراعا إقليميا وتستخدم أدوات جيوسياسية، وبين فاعلين داخليين يتحركون بدوافع إيديولوجية، لكن النتيجة واحدة: تهديد انسيابية التجارة، وإدخال الاقتصاد في رهانات سياسية ضيقة. "إذا ظهر السبب بطل العجب"، مقولة تبدو منطقية، ففهم الخلفيات الحقيقية لتلك الدعوات التي استهدفت الموانئ، يضعها في سياق أوسع، حيث لم تكن مجرد تعبير عن تضامن، بل جزء من تصور يرى في تعطيل المصالح وسيلة ضغط مشروعة، حتى لو كان الثمن الإضرار بالبلاد. وبين قرصنة مضيق إستراتيجي و"قرصنة" موانئ وطنية، يظل الرهان واحدا: هل تترك الممرات الحيوية رهينة حسابات سياسية، أم تحمى باعتبارها خطوطا حمراء لا يجوز المساس بها؟