أخبار 24/24

ولوج النساء إلى العدالة.. خطاب للمرأة ومنصة للرجل!

في مشهد يتكرر بمرارة سريالية، تحول تخليد اليوم العالمي للمرأة هذا العام إلى مرآة عاكسة لإشكالية بنيوية عميقة، حيث احتفت مؤسسات بالمرأة “كشعار” وأقصتها “كذات” فاعلة. إنها مفارقة الوصاية الذكورية على قضايا التحرر، حيث تمتلئ المنصات بالخطب الرنانة لرجال يتحدثون عن حقوق النساء، بينما تجلس صاحبات الشأن في مقاعد الجمهور، يمارسن فن الإنصات لما يفترض أنهن يعشنه يوميا.

تجلت هذه الفجوة بوضوح في الندوة الوطنية التي نظمتها وزارة العدل بالرباط حول “ولوج النساء إلى العدالة: المكتسبات والتحديات والآفاق”. العنوان يحمل وعودا بالإنصاف والمكتسبات، لكن المشهد البصري كان صادما في دلالاته: منصة رسمية ذكورية بامتياز، تضم الوزراء والخبراء والقضاة، في مقابل قاعة تموج بفعاليات نسائية وممثلات للمجتمع المدني تم اختزالهن في دور “المتلقي”، باستثناء بعض المداخلات المحتشمة أو العارضة التي لم تكسر حدة الهيمنة الذكورية على صلب النقاش، ولم ترق لتكون مشاركة ندية في صياغة مخرجات الندوة.

هذا المشهد يطرح تساؤلا جوهريا: هل يمكن حقا هندسة “عدالة جندرية” بعيون أحادية الرؤية؟ إن الحديث عن تيسير ولوج النساء للمرفق القضائي وتذليل العقبات أمامهن لا ينبغي أن يظل مجرد نصوص قانونية تتلى في المحافل، بل هو في الأصل تجربة معاشة لا يمتلك مفاتيحها وفهم تعقيداتها إلا من يواجهن إكراهات الواقع يوميا. ومن هنا، فإن تغييب الصوت النسائي عن المنصة الرسمية يحول الخطاب من حوار حي إلى مونولوج مؤسساتي بارد، يفتقر إلى شرعية التجربة وحرارة الواقع، ويجعل من الوعود الرسمية صدى لغرفة مغلقة لا تصل أصواتها إلى عمق المعاناة النسائية.

ورغم تأكيدات وزير العدل على التقدم التشريعي والمؤسساتي، إلا أن هذه المكتسبات تظل “هيكلا بلا روح” إذا لم تترجم إلى كسر لثقافة “الإقصاء غير الواعي”. فالمفارقة تشتد حين نقارن هذه الرسمية المتصلبة ببعض فعاليات المجتمع المدني، حيث تدار النقاشات من قبل النساء وللنساء، بفعالية وقوة واشتباك حقيقي مع القضايا.

هذا التباين يثبت أن العائق ليس في ندرة الكفاءات النسائية كما يروج أحيانا، بل في بنية التفكير المؤسساتي، التي لا تزال ترى في الرجل المتحدث الطبيعي باسم القانون، وفي المرأة موضوعا للدراسة لا شريكا في الصياغة.

وأمام هذا التكريس النمطي للأدوار، نجد أنفسنا أمام حقيقة لا مفر منها: وهي أن مصداقية أي خطاب حول المساواة تقاس بمدى قدرته على التخلي عن نمط الوصاية. المساواة ليست منحة تعطى في كلمات احتفالية، بل هي ممارسة تبدأ من شكل المنصة، وتوزيع الكلمات، وإشراك صاحبات الشأن في صنع القرار.

وبدون تمثيلية فعلية تكسر احتكار المنصات، ستبقى شعارات الثامن من مارس مجرد طقوس سنوية تجميلية، بينما تظل الفجوة قائمة بين مغرب المخططات الرسمية ومغرب الواقع المعاش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

انت تستخدم إضافة تمنع الإعلانات

نود أن نشكركم على زيارتكم لموقعنا. لكننا نود أيضًا تقديم تجربة مميزة ومثيرة لكم. لكن يبدو أن مانع الإعلانات الذي تستخدمونه يعيقنا في تقديم أفضل ما لدينا.