المغرب... أصل العالم7 في خضم النقاش حول الهوية الذي احتدم بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحدوث نوع من التعسف من كلا الفريقين المتصارعين في الاستناد إلى الأدلة العلمية والبحث الأثري، تحاول هذه الحلقات مع الدكتور عبد الجليل بوزوكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث إعادة النقاش حول الهوية إلى جادة الصواب، ومنع أي تعسف في تفسير دراسة علمية حسب الأهواء والنزعات الإيديولوجية، ورسالة في الوقت نفسه إلى كل المشككين، أن المغاربة هم الأصل، ومن هذه الأرض الطيبة انطلقوا منذ آلاف السنين صوب باقي دول العالم وليس العكس. مصطفى لطفي سردية القدوم من اليمن والشام غير علمية وإنسان تافوغالت يتقاسم 65 في المائة من جيناته مع الشرق بالكتب المدرسية القديمة، روجت سردية أن سكان المغرب الأولين قدموا من اليمن والشام عن طريق مصر والحبشة، أما اليوم، فلم يعد من المقبول سرد هذه الرواية بهذا الشكل، وبأنها مسلمة تاريخية، لأنه ببساطة لا يوجد إثبات علمي وأثري يؤكدها. إلا أنه رغم ذلك، من حقنا طرح سؤال أراه جوهريا، وهو هل نحن المغاربة لنا علاقة قديمة مع الشرق أم العكس؟ الجواب، نعم هناك علاقة، إذا ارتكزنا على علم الجينات، ففي 2018 نشرت نتيجتان حول الجينات وبعدها في 2022 تم نشر نتيجتين أخريين. النشر العلمي في 2018، خص رفاة بشرية، عثر عليا في مغارة تافوغالت بعمر 15 ألف سنة، وهي للمناسبة تتوفر على أقدم حمض نووي أحفوري بإفريقيا، وخلص النشر إلى وجود 65 في المائة من الجينات المشتركة مع من عاشوا في بلاد الشام خلال العصر الحجري الوسيط والمتأخر، و25 في المائة مع من عاشوا في غرب أو شرق إفريقيا. كما أن المجلات العلمية الشهيرة من بينها «نيتشر»، قالت أيضا إن العصر الحجري الحديث، الذي عرف الزراعة، شهد شمال المغرب هجرات ووفود مجموعات من إيبريا والشام، وهذه النتائج والنشر العلمي، توصلت إليها أيضا مجموعة من الفرق العلمية المستقلة، ما لا يدع مجالا للشك في صحتها. الخطأ الكبير، الذي يقع فيه المنخرطون في نقاش الهوية المغربية، وهو التسرع في وضع اتجاه سهم الهجرة دون دليل علمي، لتبرير بشكل متعسف، إما أن المغاربة هم من هاجروا نحو الشام أو العكس، وأننا من أصول شامية ويمنية. وجوابي عن هذا النقاش، أننا لا نعرف أي شيء إلى الآن قد يمكننا من تحديد اتجاه سهم الهجرة هل من الشرق نحو الغرب أم العكس، والسبب أن المغرب كان فضاء مفتوحا، وحدثت فعلا هجرات كبيرة ما بين 15 ألف سنة و4000 سنة قبل الميلاد، وهذا مبني على واقع علمي، من خلال تحاليل الجينات. أخيرا، لقي مقال علمي نشر في مجلة "نيتشر"، تداولا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي، وتم الاستشهاد به لتأكيد أن أصول المصريين من المغرب، في حين أن النشر العلمي يكتفي بالتأكيد على العثور على رفات شخص له مكانة اجتماعية مرموقة، دفن داخل جلة، ما مكن من المحافظة على الحمض النووي، الذي قدر تأريخه إلى 4600 سنة قبل الميلاد، وأن المقارنة الجينية مع محيطه وشمال إفريقيا، كشفت أنه يشترك جينيا بنسبة 20 في المائة مع سكان بلاد ما بين النهرين، أي العراق حاليا، ويتقاسم بنسبة 80 في المائة جينات مع موتى مقبرة قديمة ما قبل التاريخ بمنطقة "الروازي" بالصخيرات، تعود إلى العصر الحجري الحديث، إذ وجد الباحثون تشابها مع قاطني منطقة الصخيرات في تلك الحقبة التاريخية الضاربة في القدم. لهذا كما قلت لا يجب وضع، أو على الأقل التسرع، في تحديد اتجاه السهم، لأنه سيؤدي إلى سجال ويشجع على الإقصاء.