حكاية المغرب والكوارث1 الكارثة مأزق إنساني ولا تأتي إلا بغتة مثل الموت. الزلازل. البراكين. السيول الجارفة. الحرائق، كلها شكّلت قلقا وجوديا. إذ استطاع الإنسان التغلب على الأمراض والأوبئة. وقف عاجزا أمام الكوارث. تساءل عن حقيقتها وما زال إلى يوم الناس هذا. تناولها الأدباء والشعراء. الشاعر الإنجليزي إليوت ألهم بقصيدته "الأرض الخراب" كل من جاء بعده. وما زالت الأساطير إلى اليوم تحكي عن الطوفان العظيم. وقصة سيدنا نوح في القرآن مشهورة. الإنسان عاجز أمام الكوارث. إذ يلتف حولها لكن لا يجيب عن أسئلتها. متى ستنزل الكارثة وفي أي أرض وماهي قدرتها التدميرية أسئلة ستبقى تؤرق الإنسان أبد الدهر. إعداد: عبد الله الكوزي حكاية الماء مع سكان المناطق المهددة بالفيضانات لا تنتهي. ما إن تنتهي السيول من جرف ما شاءت لها الأقدار، والعودة إلى مكانها الطبيعي، حتى تنطلق ألسنة كبار السن في سرد القصة تلو الأخرى. يختلط في هذه القصص الواقعي بالمتخيل. أحيانا كأنها مكتوبة بقلم قاص أو روائي. ليست كل الحكايات صحيحة. تبدأ الحكاية بواقعة حقيقية. بتاريخ محدد هاج فيه الواد حتى غاص كل شيء تحت الماء. قدر بيوت أهل هذه المناطق أن تسبح مثلما يسبحون. تم نسج خيوط من الخيال لملء البياض الذي تتركه الحكاية. لا توجد حكاية مكتملة. يتم استكمالها من بنات الأفكار والخيال. لكن واقعة الفيضان صادقة. هناك حكايات قريبة يتم سردها شفويا. وهناك حكايات بعيدة زمنيا مؤرخة في بطون التراث. الفقهاء دوّنوا كثيرا من هذه الحوادث. سبو مثلا وحده تاريخ من حكايات الفيضان. عندما تجالس أي شيخ من قبائل الغرب والشراردة وبني احسن سيحدثك عن السب الأسود. أسود بكل ما تحمل الكلمة من معنى. ذات يوم لا يحب أحد ذكره. يوم من أيام 1950، لم يبق شيء بالمنطقة، غضب سبو حتى أنه طرد سكان أحياء من القنيطرة من منازلهم. سكان عرصة القاضي يذكرون ذلك جيدا، فيضانات ضربت حوض سبو وفاس وتازة. 13 سنة بعده سيعود سبو للهجوم العنيف. الفيضان الأكثر تدميرا في تاريخ المنطقة. كل من عاش تلك اللحظة ليس على لسانه سوى هذا التاريخ. هناك مواليد يؤرخون لأنفسهم بـ"عام الفيضان"، عام عالق في الذاكرة. الذاكرة الجماعية لا تنسى شيئا. الذاكرة الجماعية أداة استذكار وحياة. بعدها ستعرف المنطقة مرتين فيضانات جارفة خلال 1995 و2010. فيضانات غير مسبوقة في يناير أغرقت سهل الغرب، تسببت في قتلى وخسائر فادحة في المنازل والماشية، وأدت إلى إلغاء عيد الأضحى. لكن هناك كتب تاريخية ومدونات فقهاء دكرت فيضانات منذ قرون خلت. أرّخ البعض سنة 1302 و1303. في القرن 14تحدثت كتب التاريخ عن فيضان واد جواهر، أحد روافد سبو، تسبب في تدمير أجزاء من فاس. ثلاثة قرون بعدها سيتم التأريخ لفيضان سنة 1600 و1607. فيضانات متكررة وكارثية وثقتها المصادر التاريخية بفاس. قبل فيضانات سبو والسيول التي تسبب فيها سد وادي المخازن وإخلاء القصر الكبير، كانت آسفي تواري موتاها الثرى، أولئك الذين باغتهم السيل الجارف. 40 مواطنا فقدوا أرواحهم. منطقة عبدة تعرف أيضا فيضانات سجلتها الروايات التاريخية. ودائما وادي الشعبة هو القاتل الصامت. أول فيضان تم التأريخ له كان في 1647 كما أرخ له الفقيه «الكانوني» من علماء المنطقة. أغرقت الفيضانات أحياء بأكملها ومحلات تجارية وكامل السوق. سنة 1791 فاجأ الفيضان السكان وهم نائمون. جاء بالليل. مائة روح أزهقها. سنة 1855 اختلطت مياه الأمطار بماء واد الشعبة بماء البحر واستعمل الناس القوارب للنجاة باستثناء شخص واحد اسمه «عيسوط». عُرف هذا العام بعام «عيسوط» إلى يوم الناس هذا. سنة 1927 ضربت المنطقة فيضانات من الأعنف حيث جرفت السيول كل شيء واخترقت المسجد الكبير والمؤسسات الدينية على كثرتها في ذلك الزمن وخلفت دمارا كبيرا وعددا لا يحصى من الضحايا. وقائع كتب عنها من عاشها. وقائع أخرى تروى شفويا. التاريخ ليس حقيقة، بل التاريخ هو ما نكتبه نحن عندما نتلقى الوقائع. حكايات عن الفيضانات، تخيف الأطفال ولا يتعظ منها الكبار. إذا كان الواد لا ينسى فإن الإنسان ينسى. لا بمعنى يفقد أثر الكارثة ولكن يستخلص منها الدروس، إذ تتحول الحكاية عن الكارثة إلى حكايات الجدات للأطفال، لكن الكارثة لما تأتي مرة أخرى ستتكرر المأساة نفسها. لا درس نستفيده منها. قد يحولها الأدباء إلى قصص وروايات مثلما فعل محمد خير الدين مع زلزال أكادير الذي استوحى منه روايته الرائعة "أكادير».