المغرب... أصل العالم4 في خضم النقاش حول الهوية الذي احتدم بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحدوث نوع من التعسف من كلا الفريقين المتصارعين في الاستناد إلى الأدلة العلمية والبحث الأثري، تحاول هذه الحلقات مع الدكتور عبد الجليل بوزوكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث إعادة النقاش حول الهوية إلى جادة الصواب، ومنع أي تعسف في تفسير دراسة علمية حسب الأهواء والنزعات الإيديولوجية، ورسالة في الوقت نفسه إلى كل المشككين، أن المغاربة هم الأصل، ومن هذه الأرض الطيبة انطلقوا منذ آلاف السنين صوب باقي دول العالم وليس العكس. مصطفى لطفي السكن فيها كشف عن مستوى عال من الوعي والتقدم الإنساني يلاحظ، وبأسف كبير، وجود نوع من الانحياز المتعصب والإساءة المتعمدة في النقاش الدائر حول الهوية على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ بدل نقاش مبني على أساس علمي، وصل الأمر إلى حد ترويج العديد من المغالطات من طرفي النقاش انتصارا لفكرتهما. في هذا النقاش تم الترويج بشكل قدحي أن الأمازيغ سكان الكهوف، وهذا الطرح يحمل مغالطتين من المنظور العلمي، أولاهما أن الأبحاث الأثرية كشفت وجود حضارات قديمة ومتطورة، وثانيها أن الأبحاث العلمية المنشورة حول هذه المواقع الأثرية، لم تشر فيها إلى أن إنسان الكهوف هم أمازيغ. صحيح أن هذا الكلام لن يروق للبعض، لكن كما قلت أنا أتحدث عن النشر العلمي، وكل شخص حر في تأويل هذه النتائج حسب وجهة نظره وتوجهاته الفكرية والإيديولوجية. ثقافة إنسان كهوف كانت موجودة قبل التاريخ، وأغلب الناس ينظرون إلى السكن في الكهوف بشكل قدحي، وأنه رمز للهمجية والوحشية وحياة الغاب، لكن ما يغيب عنهم أن هذا السكن، كشف عن مستوى عال من الوعي والتقدم الإنساني وقتها. أجدادنا تعاملوا مع الكهوف، كما نتعامل حاليا مع منازلنا، إذ قسموها إلى غرف للنوم وفضاءات للجلوس، ومكان للطبخ وإشعال النار، وفضاء حولوه حظيرة للمواشي والحيوانات الأليفة. الحياة في الكهوف لم تكن عشوائية وسط الحجارة والغبار كما يعتقد، بل خلال بحث أثري بمغارة تافوغالت، وجدنا أنهم افترشوا أعشابا خاصة وأغصانا، إذ وضعوها بطريقة محكمة على أرضية الكهف، بشكل يضمن لهم راحتهم في الجلوس والنوم والاسترخاء. هده المعلومات تأكدنا منها علميا من خلال تحليل التربة، في إطار ما يسمى الأركيولوجيا غير المرئية، ودورها دراسة وتدقيق آثار ومعطيات لا تظهر بالعين المجردة، ومكانها المختبر، عكس الأركيولوجيا المتعارف عليها، التي تعتمد العين المجردة في معاينة الأدوات والفخار والعظام. أثناء إخضاع تربة الكهف للتحليل في المختبر، ظهرت فيها عناصر دقيقة جدا لنباتات كانت تستغل في تفريش الأرض للجلوس والنوم عليها. كانت الكهوف تخضع لتنظيم داخلي خاص، ولذلك فنعت قاطنيها بالمتوحشين غير مقبول وغير منطقي، لأنه لا يمكن لأناس صنعوا حليا مند 150 ألف سنة، أن نتهمهم بصفة التوحش والهمجية. فهؤلاء تجاوزوا الهم اليومي من الحصول على الغذاء، والاحتماء من الحيوانات المتوحشة، والفهم العميق لمجالهم واستغلال ثرواته، إلى حقبة الرموز، والتي لا يمكن أن تكون دون وجود لغة، ما يعني وجود تواصل وخطابات ليس بينهم فقط، بل حتى مع مجموعات بشرية أخرى لنشر هذه الرموز. وبالعودة إلى نتائج البحث الأثري حول الموضوع، المنشور في المجلات العلمية، فليس هناك أي إشارة إلى الأمازيغ، لسبب بسيط هو ليست هناك معطيات عليمة دقيقة لنبني عليها هذا الطرح، فأنا هنا أتحدث باعتباري باحثا، والعلم يلزمني بالموضوعية والتجرد، وأن أكون بعيدا عن العاطفة. لكن هذا لا ينفي وجود الأمازيغ منذ تاريخ قديم، والدور الكبير الذي قاموا به في هذه الأرض، سواء من حيث الإبداعات والنقوش والكتابات التي تركوها على الحجارة والصخور، أو ما قاموا به من إبداعات ونقوش على هذه الأرض، نجح متخصصون في قراءتها رغم قدمها، وهذا الطرح يجمع عليه المغاربة قاطبة.