عبد الكريم القسبجي... سيرة فنان نادر5 يمر عبد الكريم القسبجي، أحد نجوم مجموعة جيل جيلالة، من وعكة صحية، ألزمته الفراش، ليصمت، مؤقتا، صوت عذب ومميز عن التغريد، بصم مسارا طويلا من العطاء والإبداع والفن، وأثرى ظاهرة الغناء الغيواني بجميع إيقاعاتها وتلاوينها وروافدها التي طبعت عقدي السبعينات والثمانينات واستمرت متوجهة إلى نهاية التسعينات. في الحلقات التالية، التي تعتمد على كتاب «عبد الكريم القسبجي.. حكاية صوت بصم مسار جيل جيلالة» للباحث العربي رياض، نعيد رسم «بروفايل» فنان نادر كرس حياته للفن منذ أن كان طفلا، حتى أقعده المرض بإحدى الزوايا الباردة بمراكش، مسقط الرأس والروح. إعداد: يوسف الساكت تصريح قائد الغيوان كان بمثابة اعتراف بجودة أعمالنا في أحد الأيام، حضر كاتب المجموعة عبد الرحمان جموع، أحد التداريب المسرحية بالرباط، حين سمع كلمات أغنية تغنى في بعض المشاهد المسرحية، وهي أغنية من الربيع. من الربيع ومن هوى لبلاد اختاريت ولميت آ لولاد من الربيع لبهجاوة مايا غاية كلام حلو وميزان مقاد هذه الأغنية كانت لعلي الحداني، إذ سارع جموع إلى الحداني وأخبره أنه يشتغل مع فرقة نواس الحمراء، وطلب منه أن يسمح لمجموعته بغنائها، وهو الأمر الذي لم يرفضه الحداني. كانت هذه الأغنية هي عنوان الألبوم الثاني لنواس الحمراء، الذي ضم قطعا أخرى من ضمنها أغنية "الخيمة" و"بسمة"و "هذا هوايا". بعد التمارين والحفظ، حان وقت التسجيل، وكان حميد الزوغي في الموعد كما وعدهم خلال لقائهم به بالبيضاء، إذ وجههم إلى شركة "أطلسي فون" لصاحبها بوشعيب القباج، الذي اقترح على أفراد نواس الحمراء، بعد الانتهاء من التسجيل، المكوث بالبيضاء لفترة، وتقديم سهرات بمطعمه الموجود بكورنيش عين الذئاب. ظلت نواس الحمراء تقدم فقرات غنائية مساء كل يوم، وكان الإقبال كبيرا لدرجة أنهم ظلوا هناك مدة فاقت ثلاثة أشهر، دون أن يملهم رواد المطعم. في أحد الأيام، ستكون مفاجأة نواس الحمراء كبيرة، عندما جاء لزيارتهم محمد الدرهم وحميد الزوغي ومولاي الطاهر الأصبهاني، وبرفقتهم مؤسس الظاهرة بوجميع، لأول مرة سيلتقي عبد الكريم ببوجميع، شأنه شأن باقي أفراد الفرقة، إنه اليوم أمام الأسطورة، أمام من رسم هذه الطريق غير المسبوقة، فقد كان بوجميع رمزا للشباب في تلك الحقبة. فرقة مغمورة يحكي عبد الكريم: "عندما دخل الأربعة ورأيناهم من بعيد، بدأنا نسأل بعضنا، هل رابعهم هو بوجميع؟ وأخذنا نتجادل في ما بيننا، فمنا من كان يقول ليس هو غير مصدق أن الرجل سيأتي مع جيل جيلالة، ومنا من كان متيقنا من أنه بوجميع، طال بيننا الجدال إلى أن أخبرنا الزوغي ومولاي الطاهر بأن بوجميع سمع عنكم، وسمع لأعمالكم، وجاء ليراكم مباشرة. اعتبرنا لحظتها أن هذا التصريح بمثابة اعتراف بجودة أعمالنا، فالخاتم هذه المرة كان من رائد الظاهرة ككل، انتابني شعور جميل، فأنا الآن أمام رجل يعد لغزا بسبب ما نسجت حوله من حكايات وقصص، فهناك من كان يعتبره ثوْريا، ومن سماه بوهاليا، ومن حسبه مجدوبا، لكن لن يختلف أحد في كون الرجل كان مناضلا من أجل نشر قيم الإخاء والحب والتسامح، لم نتجرأ في البدء على التحدث إليه، بعد أن سلمنا عليه، لكن بوجميع لا يمكن ألا تتكلم معه، رجل يكسر كل الحواجز ببساطته وصفاء قلبه، أذكر أن الجميع في تلك الفترة كان يعتبر أن الغيوان على خلاف مع جيل جيلالة، وأن بينهما تنافسا وصراعا، لكن هاهو مؤسس الغيوان قادم برفقة أعضاء جيل جيلالة فقط، ليستمع إلى فرقة مغمورة، فأي رجل هذا؟".