نجم كروي صنع المجد بين ضفتي الأخضر والأحمر رغم مرور أزيد من 46 سنة على رحيل أيقونة كرة القدم المغربية المرحوم مصطفى شكري الشهير بلقب "بيتشو" ما زالت أجيال تستحضر مجده الكروي. الراحل الذي بقدر ما خلب لب جماهير السبعينات وكان معبودها حد الوله، بالقدر نفسه الذي شكل رحيله الفجائعي مفاجأة حزينة لمحبيه وعشاقه، وما زال لغز وفاته لم يفك بعد، خاصة أن "بيتشو" رحل في أوج عطائه، ما أحاط رحيله بهالة من الغموض. في هذا الخاص اختارت "الصباح" استعادة محطات من مسار هذا الرمز الرياضي، اعتمادا على معطيات أخذت جلها من كتاب للراحل أحمد صبري بعنوان "بيتشو الأنشودة الحزينة". إعداد: عزيز المجدوب بواحدة من أزقة درب الكرلوطي بدرب السلطان بالدار البيضاء، ما زالت تنتصب مقهى شعبية تحمل اسم "بيتشو" ارتأى صاحبها الراحل الحاج فاهر تخليد اسم هذا اللاعب الذي رأى النور بالرقعة ذاتها من مدينة الدار البيضاء. قدماء هذا الحي ما زالوا يتحدثون عن ابن "دربهم" بنوع من الحسرة على هذا اللاعب الذي رحل وسنه لم يتجاوز الثانية والثلاثين، ويصرون على أن وفاته لم تكن طبيعية وأنها بفعل فاعل. "درب الكرلوطي"، إنه الحي نفسه الذي أنجب أسماء فنية ورياضية بلغت شأوا كبيرا، أمثال الثنائي الزعري والداسوكين ونعيمة المشرقي والحاجة الحمداوية وعبد العظيم الشناوي، وإذا شئنا الاستمرار في ذكر الأسماء التي خرجت من الأحياء المجاورة والمكونة لمنطقة معطاء من العاصمة الاقتصادية هي درب السلطان، فقد تستعصي اللائحة على الحصر. كرة القدم... أم بيتشو الثانية رأى إذن مصطفى شكري الشهير ب"بيتشو" النور، بدرب الكرلوطي سنة 1947، وقدر له أن يعانق اليتم وهو في شهره الثالث بعد وفاة أمه، فسجل بذلك على نفسه أولى علامات الحرمان. إحساسه المبكر باليتم جعل منه شخصا انطوائيا وغريب الأطوار، رغم الحنان الذي كان يغمره به والده عمار شكري الموظف بشركة النقل الوطنية وجدته عائشة، إلا أن مزاجه الحاد والمتقلب لم يكن ليجد مجالا للتنفيس عنه غير مداعبة الكرة. تابع "بيتشو" تعليمه الابتدائي بمدرسة أبناء الأعيان، وغادرها قبل أن يحصل على الشهادة الابتدائية، ليلتحق بمركز للتكوين المهني بعين السبع قضى به أزيد من ثلاث سنوات قبل أن يجرفه شغفه بالكرة ويغادر الدراسة بشكل نهائي. كانت الدار البيضاء خلال عقد الخمسينات تعج بفرق الأحياء وتعرف صراعا محموما وجميلا بين فرق المدينة القديمة ودرب السلطان، مثل "الوفاق" و"النجاح" و"نادي الشعب" و"الفلاح" كل لاعبيها تدرجوا من مداعبة "الشراوط" الملفوفة إلى الكرة. وجد "بيتشو" نفسه وسط هذا المحيط المغري بكل ما يجذبه نحو عالم الكرة بشكلها البدائي، إذ كان يستغرق منه لعب الكرة ومداعبتها في الأزقة والساحات الفارغة ساعات طويلة، حتى إنه ينسى نفسه معها. كان أتراب "بيتشو" يلقبونه "فريكة" بحكم تقوس طفيف في ساقيه، وهي الخاصية الفيزيقية التي جعلته يقوم بحركات تمويهية مبهرة لخصومه في الملعب، بشكل يجعلهم عاجزين عن التنبؤ بما يمكن أن يفعل بهم وبالكرة. الساحر الأخضر وكجل أبناء درب السلطان كان شغف "بيتشو" بفريق الرجاء البيضاوي كبيرا، وهو ما دفعه إلى الالتحاق به أواسط الستينات ويتدرج في فئاته، ويكون ضمن تشكيلة فريق الشباب التابعة للقلعة الخضراء، وكان يشرف على تدريبه آنذاك كل من محمد لبصير والمرحوم عبد القادر جلال. ترصدت أعين الداهية الأب جيكو والحاج عبد القادر جلال، موهبة بيتشو لتضمه لصفوف النسور الخضر سنة 1966، تألق خلالها "العود" مع الفريق الأخضر طيلة تسع سنوات، بأدائه المبهر الذي لم يكن له نظير في الملاعب الوطنية. كان بيتشو عبقريا وعبقريته تتجلى في التفاعل مع الكرة وخاصة في المراوغة وعند قيادة الكرة كان يتحرك رافعا رأسه يغطي مساحة الملعب أمامه مما يمكنه من التمرير بدقة. شارك "بيتشو" رفقة فريق الرجاء البيضاوي في دوري بالجزائر سنة 1967، وأبان عن مهارات كانت بمثابة إشارات قوية منه على أنه نجم رجاوي قادم في الطريق، ومكنته من الالتحاق بالفريق الأول خلال ظرف وجيز. فرض "بيتشو" نفسه واحدا من أفضل لاعبي وسط الميدان نهاية الستينات، كما قاد الفريق الأخضر إلى الكثير من الانتصارات، بفضل مهاراته العالية، فكان بمثابة العقل المدبر لكل العمليات الهجومية، رغم أن سنه بالكاد يصل إلى العشرين. المستوى الباهر الذي ظهر به "بيتشو" خلال تلك المرحلة لم يكن ليمر دون أن يثير انتباه مسؤولي المنتخب الوطني، وسرعان ما انضم إلى هذا الأخير سنة 1970، وشارك ضمن بعثة مكسيكو للسنة نفسها. وابتداء من تلك المرحلة صار "بيتشو" واحدا من الأسماء التي أدمنت جماهير المستديرة الحضور إلى كل المباريات التي يكون فيها حاضرا، للاستمتاع بأسلوب لعبه المتفرد ولمساته الساحرة، فضلا عن قامته وبنيته الجسمانية المثالية بشكل جعل لقب "العود" (الحصان) يطارده أينما حل وارتحل. فاز "بيتشو" مع فريق الرجاء البيضاوي بلقب كأس العرش سنة 1974 ضد المغرب الفاسي، وكان أحد صناع مجده الكروي مثلما فعل الأخير ذلك، كما كان النجم الرجاوي حاضرا مع الفريق الوطني لكرة القدم في مختلف التظاهرات التي شارك فيها خلال عقد السبعينات، ومنها على وجه الخصوص دورة كأس إفريقيا سنة 76 بإثيوبيا، والتي حاز فيها المغرب على الكأس الوحيدة في خزانته إلى حدود اليوم، وكان "بيتشو" واحدا ممن رسموا الفرحة على محيا الجماهير المغربية، مع جيل فرس والهزاز واعسيلة وغيرهم من نجوم السبعينات. الانتقال إلى الضفة الحمراء شكل انتقال "بيتشو" من فريق الرجاء البيضاوي إلى نظيره الوداد، حدثا رياضيا لم يستسغه عشاق الفريق الأخضر، آنذاك، بحكم تمسكهم بنجمهم المفضل، لكن التناقضات والخلافات بين "بيتشو" ومسؤولي الرجاء حينها وصلت إلى حد دفعه إلى مغادرة فريقه الأم مكرها أواخر سنة 75. ووجد "بيتشو" في فريق الوداد كذلك حضنا دافئا مكنه من إثبات مكانته بسرعة وسط الفريق الأحمر، وقاده، إلى الكثير من الانتصارات والألقاب، ما جعل عيون العديد من الفرق الأجنبية تستقر عليه، وبدأ في تلقي العروض خاصة من قبل بعض الأندية الفرنسية منها "موناكو" و"سوشو" لكنه آثر البقاء في المغرب إلى جانب جدته التي كان يكن لها تقديرا خاصا، ولا يستطيع عنها فراقا. فتى "الوحدة" المدلل لكن بعض أصدقائه سعوا إلى إقناعه بضرورة التفكير في تأمين مستقبله، عبر الاحتراف بأحد الأندية خاصة أنه بلغ عقده الثالث نهاية السبعينات، فأتيحت له فرصة الالتحاق بنادي "الوحدة" السعودي الذي كان يدربه، آنذاك، الإطار المغربي والإعلامي أحمد صبري، الذي تمكن من إقناع "بيتشو" بالاحتراف. وبسرعة فائقة تمكن "بيتشو" من فرض نفسه منذ أول مشاركة له مع الفريق السعودي، الذي كان يلعب له كذلك المرحوم عبد اللطيف بكار الذي شكل رفقة "بيتشو" ثنائيا خطيرا أرعب خصوم نادي "الوحدة" وألهب حماس جمهوره، وجعل الأنظار تتوجه صوب الوافد الجديد الذي كان يفعل ما يشاء بالخصوم في الدوري السعودي. لم يمض "بيتشو" سوى موسم واحد كان كافيا ليوقع فيه مع نادي "الوحدة" على أبهى حضور، إلا أن القدر لم يمهله ليواصل نجاحاته على رقعة المستطيل الأخضر، إذ اختطفه الموت في غمرة مجده الرياضي، بعد أن توفي في ظروف غامضة ما زالت ملابساتها لم تفك إلى حدود الآن، إذ فاضت روحه يوم 22 يناير سنة 1980 بإحدى المصحات السعودية، ونقل بعدها إلى الدار البيضاء حيث ووري جثمانه الثرى بمقبرة الشهداء في محفل مهيب. وأشهر الروايات بخصوص وفاة "بيتشو" تقول إنه توفي إثر سرطان أصيب به، نتيجة سوء تأقلمه مع المناخ السعودي المفرط في الحرارة، كان بيتشو يضطر معه إلى الاستعانة بالمكيفات الهوائية بشكل مكثف، وأخرى تعتبر أن وفاته غير طبيعية بل مدبرة لأسباب غامضة. ومهما تعددت التأويلات حول تلك الوفاة الغامضة فإن الذي يظل في الأذهان صورة هذا اللاعب الذي شكل فلتة كروية قلما يجود الزمان بمثلها.