"بوهيوف" ينبعث من جديد عزيز المجدوب من قال إن فوائد الصيام تنحصر فقط في الجانب الروحي والصحي قد يكون مجانبا للصواب وقد لا يفي هذه الشعيرة الدينية حقها، بل إن من فوائد الصيام أيضا أنه طريقة فعالة لكشف المعدن الحقيقي للعديد من المغاربة الذين تتبدى شخصيتهم الحقيقية الثاوية خلف قناع من السلوكات المصطنعة خلال الأيام العادية. في رمضان يتحول العديد من المغاربة الصائمين إلى كائنات أخرى غير التي نعرفها خلال بقية أشهر السنة. في هذا الشهر وحده تطفو على السطح سلوكات تنسف كل مقاصد التسامح والغفران والمصالحة مع الذات والآخر والله. يقضي معظم المغاربة سحابة يومهم في مقاومة الحنق وانفلات الأعصاب دون جدوى في أغلب الأحيان، إذ ترفع حركة السير والجولان المختنقة منسوب العصبية لديهم، ما يجعل مشاهد الملاسنات والاشتباكات اليدوية بين مستعملي الطريق أمرا مألوفا في النهار الرمضاني بالمدن الكبرى، وهو الأمر الذي ينتقل إلى الأسواق والأحياء الشعبية التي تتحول إلى ساحات وغى مفتوحة في العراء. تبدو مشاهد التكالب والتهافت والتصارع على شراء السلع الغذائية قبيل رمضان الكريم، مثيرة للشفقة والسخرية، خاصة أن العديد من المغاربة يشتكون من غلاء الأسعار، وفي الوقت نفسه يقفون في طوابير طويلة أمام خزائن "المحلات الكبيرة" ليدفعوا فواتير دون أن يرف لهم جفن. وأطرف ما في الأمر أن المشارك في تلك الجرائم الغذائية التدميرية لصحته وقبلها "جيبه" يعلم جيدا أن رمضان هو شهر للصيام، وأن هناك ما يكفي من السلع تلبي حاجة الصائم، وأن ساعات الإفطار لن تكون كافية لالتهام كل ما تم شراؤه وملأ الثلاجة. وهذا ما يجعل الكثيرين ينظرون بشيء من التقزز لمشاهد التسابق والتزاحم على محلات بيع المواد الغذائية، وكأن الأمر يتعلق بالاستعداد لموسم قحط، أو تحسبا لمجاعة مرتقبة، قد تختفي معها المواد الغذائية من الأسواق، وهو الأمر الذي يتفاقم سنة بعد أخرى، ويعزز الإحساس بأن العديد من المناسبات الدينية صارت تبتعد عن مقاصدها الروحية لتغرق في حسابات الاستهلاك و"بوهيوف" الجديد الذي يهدد المغاربة. فعلا ابتعدت فئات كثيرة عن الهدف الجوهري لشهر رمضان، بالتظاهر، وأحيانا نشر صور الموائد على مواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت في تكريس مجتمع استهلاكي يتحكم في الحاجيات والتوجهات الفردية والجماعية.