القياد... أسرار “البارود والدم” 8 حارس الأطلس الغربي وسيد الممرات الصعبة شكلت حقبة "القياد الكبار" سلطة موازية طبعت مغرب أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بمداد من القوة والجبروت والدهاء السياسي. إنها قصص زمن كان فيه "القائد" حاكما بأمره، يبني القصبات الشاهقة ويجيش الجيوش، متأرجحا بين الولاء للسلطان ومناورات الاستعمار الفرنسي، ليصنعوا لأنفسهم مجدا تداخلت فيه هيبة الدولة بنفوذ الإقطاع، تاركين خلفهم إرثا ثقيلا ما زالت جدران قلاعهم المتداعية تهمس بأسرارهم إلى اليوم، وشكلوا بذلك ظاهرة تفصل بين عهدي "السيبة" وبناء الدولة الحديثة. الحلقات التالية تنفض الغبار عن سير شخصيات أسطورية كانت ملء السمع والبصر، بدءا من داهية الأطلس الطيب الكندافي ومنافسه الشرس المدني المتوكي، مرورا بفروسية العيادي الرحماني وسطوة بوشعيب الهواري، وصولا إلى بسالة حيدا أوميس ومواقف القايد حمو، دون إغفال التراجيديا الدامية لعيسى بن عمر العبدي، إذ ستعيد تركيب الأحداث لفهم كيف بسط هؤلاء نفوذهم، وكيف أداروا علاقاتهم المعقدة والمتقلبة بين "المخزن" و"الإقامة العامة"، في سردية تاريخية تكشف الوجه الخفي لرجال كانوا ملوكا غير متوجين في مناطقهم، قبل أن تعصف بهم رياح التغيير وتطوي صفحتهم إلى الأبد. إنجاز: خالد العطاوي في مغرب أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لم تكن السلطة تقاس فقط بالقرب من السلطان أو الولاء للمخزن، بل بالقدرة على السيطرة على الأرض، وتأمين الطرق، وإخضاع القبائل، وحماية الممرات الإستراتيجية التي تربط الجبل بالسهل، والداخل بالساحل. وفي هذا السياق، برز اسم عبد المالك المتوكي بوصفه أحد أقوى قياد الجنوب المغربي، ورجلا تحول إلى ما يشبه “الدولة الجبلية” القائمة بذاتها في الأطلس الكبير الغربي. نسب مرابطي وجذور جبلية ينتمي القائد عبد المالك المتوكي (1841–1927) إلى قبيلة متوكة، وهي قبيلة عريقة تستقر بالهضاب العليا للأطلس الكبير الغربي، وتؤكد المصادر التاريخية أن أصولها تعود إلى اللمتونيين المرابطين، الذين رافقوا يوسف بن تاشفين، وفضلوا الاستقرار في المنطقة بدل الانتقال إلى مراكش. ودخلت أسرة متوكة، المستقرة في قصبة بوابوض، خدمة المخزن منذ القرن الثامن عشر، لكن نفوذها ظل محدودا بسبب هيمنة أسرة قوية من قياد كنفدرالية حاحا، ولم تبدأ موازين القوة في التحول إلا في 1868، بعد أن أزيح قياد حاحا الحاج أوبيهي من أسرة آل بيهي أومولود الحاحية، في سياق تصفية سياسية معقدة انتهت بأفول نفوذ هذه الأسرة في 1871. برز من أسرة متوكة عدد من القياد، أبرزهم القائد عمر بن سعيد، ثم عبد المالك المتوكي، وبعده القائد إبراهيم في عهد الحماية، واتخذ هؤلاء القياد من بوابوض مركزا لقيادتهم لما يقارب قرنا من الزمن، محولين القصبة إلى عاصمة سياسية وعسكرية للأطلس الغربي. من طالب علم إلى قائد محلة ولد عبد المالك المتوكي سنة 1841، وتلقى في شبابه العلوم الدينية، شأنه شأن أبناء الأسر القيادية، إلا أنه سرعان ما انصرف عن مسار الفقه والعلم، ليكرس نفسه لتعلم فنون الحرب والقتال، وهو اختيار سيحدد مستقبله السياسي، ما أهله لقيادة محلة عمه الحاج عمر بن سعيد في اتجاه تارودانت، وهو منصب لا يمنح إلا لمن يثبت صلابته وقدرته على ضبط الرجال. وبعد وفاة عمه، ورث عبد المالك قيادة كنفدرالية متوكة، وبدأ في بناء نفوذه الخاص، معتمدا على القوة العسكرية، والدهاء السياسي، والتحالفات المتحركة، حيث تولى القيادة رسميا في 1886، واستمر فيها إلى غاية 1927، أي لأكثر من أربعين سنة. وخلال هذه الفترة، حكم مجالا واسعا ومركبا من الناحية الجيوسياسية والإثنية، مقسما إلى منطقتين رئيسيتين: منطقة السهول والهضاب، وتضم أولاد أبي السباع، ولكريمات، ومجاط، وفروكة، وأولاد مطاع، وأولاد يعلا، والعروسيين، ومنطقة الجبل التي تشمل متوكة، ونفيفة، ودمسيرة، واداوزيكي، ومزكيطة، ومزوضة. لم يكن صعود المتوكي ممكنا دون سياسة تحالفات معقدة، ففي 1903، ساهمت قبيلته في الحركة السلطانية ضد بوحمارة، ما عزز مكانته لدى المخزن، ثم بدأ في توسيع نفوذه على حساب القبائل المجاورة، مستخدما التحالف حينا، والقوة الصريحة حينا آخر. ومع اندلاع أزمة الحكم في 1907 بين المولى عبد العزيز وأخيه المولى عبد الحفيظ، انحاز المتوكي في البداية إلى عبد الحفيظ، لكنه سرعان ما غير موقفه، داعما المخزن العزيزي، في خطوة تعكس براغماتيته السياسية وحرصه على حماية مكتسبات الأسرة المتوكية. التصدي لقرار هدم الكتبية بعد فرض الحماية الفرنسية، اختار المتوكي، مثل عدد من القياد الكبار، مساندة المشروع الاستعماري منذ 1913، وساهم عسكريا في إخضاع قبائل الجنوب، إلا أن هذه العلاقة لم تكن خضوعا مطلقا، إذ سيسجل له لاحقا انقلابه على السلطة الفرنسية، ووقوفه سدا منيعا ضد بعض مشاريعها الرمزية، وأشهرها محاولة هدم صومعة الكتبية بمراكش بدعوى الضرورات التنظيمية، بعد اتفاقية كان قد وقعها الكلاوي مع الفرنسيين. توفي عبد المالك المتوكي في 1927، لكن أسطورته استمرت في شخص أبنائه، وعلى رأسهم القائد محمد الذي خلفه في بوابوض، ثم القائد إبراهيم، والمدني، وسعيد.