"يوميات سجين"... تراجيدية ساركوزي 8 الكاتب يصف التكتيكات التي واجهها لدفعه إلى زلات لسان أو فقدان التركيز تحول "نيكولا ساركوزي"، الرئيس الفرنسي الأسبق، بسبب الثلاثة أسابيع التي قضاها خلف القضبان، إلى كاتب تراجيديا بامتياز، بعد حبسه على خلفية قضية اتهامه بتلقي أموال من الرئيس الليبي المقتول معمر القذافي لتمويل حملته الانتخابية، ما جعله أول رئيس فرنسي سابق في تاريخ الجمهورية الخامسة يوضع خلف القضبان ويتجرع مرارة الزنزانة، بعد أن ذاق طعم السلطة في قصر الإليزيه. يرسم الكتاب، الذي صدر عن دار النشر الفرنسية "فايار" (Fayard)، صورة مغايرة عن فرنسا، وعن الحياة السياسية فيها، وعن بعض صانعيها في المرحلة الراهنة. تقدم "الصباح" أهم الصور الدرامية التي رسمها السجين خلال المدة التي قضاها بسجن «لاسانتي» في باريس. عبد الواحد كنفاوي يصف ساركوزي الأسابيع الأربعة عشر بأنها لم تكن بحثا عن الحقيقة، بقدر ما جسدت إخراجا مسرحيا هدفه النيل من هيبته، فقاعة المحكمة، بالنسبة إليه، لم تكن مكانا للعدالة، بل حلبة وضعت فيها الكاميرات والأقلام لتسجيل كل رمشة عين. ويوضح الكاتب كيف أن الإعلام كان يقتنص أنفاسه، فكل حركة يد أو تعبير وجه كان يفسر على أنه دليل غطرسة أو ارتباك. هذا الضغط حول المحاكمة، من وجهة نظر الكاتب، إلى حصار إعلامي يهدف إلى إصدار حكم شعبي قبل صدور الحكم القضائي. يتعمق الكاتب في وصف التكتيكات التي واجهها، بالإشارة إلى الجلسات الطويلة التي كانت تمتد لساعات متأخرة، التي لم تكن صدفة في نظره، بل كانت وسيلة لإضعاف اليقظة، من خلال إبقائه في حالة تعب مستمر، لكي تزداد احتمالية زلات اللسان أو فقدان التركيز أثناء الاستجوابات المعقدة. كما تهدف هذه الجلسات المطولة، وفق وجهة نظر الكاتب، إلى إذلال رجل الدولة. يصف شعوره وهو يرى نفسه، الذي كان يقود قمما دولية وقرارات مصيرية، يعامل مجرما يطلب منه تبرير تفاصيل تافهة أو مشوهة لساعات طويلة أمام قضاة يشعر تجاههم بالتحيز المسبق. يرى ساركوزي أن المحاكمة كانت صراعا بين صورتين، الصورة التي حاول الادعاء رسمها له، باعتباره متآمرا أو مستغلا للسلطة، وصورته عن نفسه خادما للجمهورية. يشير الكاتب، في مشهد يعكس الدراما الإنسانية، إلى اللحظات التي كان ينظر فيها إلى محاميه، ويقرأ في عيونهم القلق رغم رباطة جأشهم. يصف القاعة بأنها مكان بلا هواء، حيث يثقل الصمت الأجواء وتصبح الكلمات أسلحة حادة. يوضح ساركوزي أن ما منعه من الانهيار هو يقينه الداخلي، هذا اليقين لم يكن مجرد إستراتيجية دفاع، حسب الكاتب، بل كان درعا نفسيا يحميه من السقوط في فخ اليأس أمام كم الاتهامات التي وصفها بالخيالية. الذروة الدرامية في السرد تكمن في لحظة النطق بالحكم، إذ يصف ساركوزي تلك اللحظة بـ "الصمت الجنائزي"، يتوقف الزمن خلالها، الإدانة لم تكن صدمة قانونية فحسب، بل كانت "طعنة في الشرف". ويعبر الكاتب عن خيبة أمل عميقة، ليس فقط بسبب العقوبة، بل بسبب ما اعتبره سقوطا لنموذج العدالة الذي آمن به. هذه اللحظة، وفقا لما جاء على لسان الكاتب، كانت الإعلان الرسمي عن نهاية حياته السابقة وبدء رحلة التيه في سجن "لا سانتي." ينهي صاحب "يوميات سجين" هذا الجزء بتصوير التحول الجذري في كيانه، فبعد 14 أسبوعا من الوقوف متهما يدافع عن نفسه، وجد نفسه فجأة مجردا من كل أسلحته، بانتظار القضبان. المحاكمة بالنسبة إليه كانت النفق الذي عبر منه من بريق "الإليزيه" إلى عتمة الزنزانة، وهي المرحلة التي كشفت له معادن الناس وحقيقة الدولة العميقة التي كان يعتقد أنه يرأسها يوما ما. هذا الجزء من الكتاب هو الأكثر إثارة لاستدرار التعاطف أو إثارة الجدل، لأنه يضع القارئ في قلب الضغط النفسي لزعيم يسقط من القمة، محاولا الحفاظ على كبريائه وسط عاصفة لا ترحم.