شبكات تنشط في العديد من المدن حولت ضحاياها إلى رهائن مهددة بالسجن تحركت شبكات القرض بالفوائد أو ما يسمى "المتيريس" في الأسابيع الأخيرة، بوتيرة أكبر للضغط على ضحاياها ممن تغلهم بشيكات بدون مؤونة، قصد إجبارهم على تسديد ما تجمع من فوائد بذمتهم، أو سلبهم ممتلكاتهم عن طريق الجبر على تفويتها لهم. واستغل زعماء هذه الشبكات المنتشرة في البيضاء ومراكش وغيرهما، دخول قانون الشيكات الجديد حيز التنفيذ، وبأثر فوري، منذ مطلع فبراير الجاري. وعرفت محاكم، مثل المحكمة الزجرية عين السبع، تقديم ضحايا لهذه الشبكات، سبق لهم أن أدوا أضعاف ما اقترضوه، لكنهم وقعوا في غرامات فرضت عليهم من قبل مقرضيهم خارج "الإحسان" وقانون المصارف، تركوا مقابلها شيكات ضمانا، تسببت في سجنهم بسبب إعسارهم. إنجاز: المصطفى صفر تشتغل هذه الشبكات وفق قواعد محددة قوامها كراء الأموال، تسيل في البداية لعاب المستهدف، قبل أن يكتشف أنه سقط في شباك يصعب الخروج منه، ويجد رجال الأعمال والتجار من الراغبين في التعامل مع هذه الشبكات، لوجود مانع من التعامل مع البنك، أنفسهم أمام عمليات حسابية تقدم لهم على أنها بسيطة وسهلة الإدراك، وتساهم الظروف التي يمرون منها بابتلاعهم الطعهم، إذ يقتصر العرض على كراء مبلغ مالي لمدة زمنية بنسبة 10 في المائة، وغالبا ما يتم بتحديد المدة الزمنية في شهر، بمعنى أن اقتراض 100 مليون سنتيم، ينبغي أن يدفع مقابله المدين 10 ملايين سنتيم، ليصبح المبلغ 110 ملايين سنتيم في ظرف شهر، وأي تأجيل أو تأخير في إرجاع المبلغ، يفرض إعادة الجدولة لشهر آخر، أي أن الملزم عليه إضافة 10 ملايين سنتيم أخرى عن الشهر المضاف، وهكذا دواليك، وبطبيعة الحال فإن الضحية أي المقترض، يضع رهن إشارة المقرض شيكات بمجموع المبالغ، وفي حالة التمديد يؤدي دائما السومة الكرائية للأموال المحددة في 10 ملايين كل شهر، مع الاحتفاظ برأس المال المحدد في 100 مليون. ويخضع المستهدف لابتزاز مستمر طيلة أشهر التأخير، إذ تستغل وضعيته في رفع النسبة المائوية، ليجد نفسه رهينة لهذه الشبكات التي تستعين بفتوات وتستعمل أساليب عنف، من أجل ترهيب الضحية وإخضاعه لمطالبها تحت التهديد بدفع الشيكات والزج به في السجن. نموذج تاجر معسر دخل في دوامة شبكة لـ"المتيريس"، معتقدا في البداية أن ما سيأخذه من قرض، سيمكنه من حل مشاكله وأن تحريك تجارته بعد جائحة "كورونا" سيمكنه من التعافي، إلا أن العكس هو الذي حدث، فمحلاته التجارية لم تعد لها المداخيل ذاتها، بالنظر إلى الآثار الوخيمة التي خلفتها الجائحة والركود. اقترض في البداية من زعيم شبكة معروفة في أوساط التجار ورجال الأعمال، مبلغ 60 مليونا بفائدة 12 في المائة شهريا، وظل يدفع على مضض الفوائد كل شهر إلى أن تعذر عليه ذلك، ليضطر إلى الاقتراض من جديد، لكن في هذه المرة أخبره المرابي أنه لا يملك المبلغ المطلوب، وأنه سيقترضه بدوره من مراب آخر، بنسبة 10 في المائة، وخيره في الأمر، موضحا له أن رأس المال والفائدة المحددة في 10 في المائة، سيحرر مجموع مبالغهما في شيكات، بالإضافة إلى شيكات أخرى عن ربحه، تتضمن الفائدة التي سيزيدها عن 10 في المائة والتي تعود إليه نظير عمولته. فأضيفت المبالغ إلى رأس المال وأجبر على تحرير شيكات جديدة، كما ارتفع مبلغ الكراء الشهري إلى أزيد من 10 ملايين، ورغم أنه أفلح في تحريك تجارته شيئا فشيئا، إلا أنه كان يدفع كل ما يحصل عليه من أرباح للمرابي، إلى أن عجز عن ذلك، فلم يجد سبيلا إلا تفويت شقة يملكها بمنطقة راقية بالبيضاء، وجاء في عقد البيع المنجز من قبل الموثق، ولفائدة المرابي، أن ثمن البيع دفع خارج المكتب. ظل الأمر على ما هو عليه، والضائقة تزداد يوما بعد يوم وشهرا بعد آخر، فثمن الشقة لم يكن إلا مجموع الأرباح التي تجمعت والتهديدات التي تلقاها، والتي تكرست فعلا بعد أن أصبح مبحوثا عنه بسبب شيكات بدون مؤونة، ليخضع للأمر الواقع ويتخلى عن شقته مقابل التنازل عن الشكاية الموجهة ضده بتهمة إصدار شيك بدون مؤونة والنصب. رغم كل ذلك ظلت شيكات أخرى في حوزة الشبكة، التي تبين أنها تدار من شقيقين، وأن الضحية حين طلب القرض الثاني، تمت إحالته على شقيق المرابي وإجباره على توقيع شيكات لفائدته. جرائم الشبكة وغسل الأموال منح قروض بالفوائد خارج الإطار البنكي والقانوني الجاري به العمل وقبول شيكات على سبيل الضمان والاستمرار في تحصيل ديون غير قانونية، بالإضافة إلى النصب والابتزاز، هي بعض الجرائم التي يرتكبها أفراد الشبكة، بالإضافة إلى جنح أخرى نظير انتحال صفة، إذ أن الفتوات الذين يسخرون للإجبار على الأداء غالبا ما ينهجون أسلوبا خادعا يوهمون من خلاله المستهدفين أنهم مأمورون بتنفيذ القانون. للأسف أن العديد من ملفات الشيكات بدون مؤونة، لا تقبل أي أعذار، بل حتى الادعاء بعدم وجود معاملة وأن الشيك سلم على سبيل الضمان، فإنها تبقى ادعاءات مردودة على أصحابها، لأن الدفع أمام القضاء بأن الشيك سلم كضمان وليس مقابل معاملة تجارية قائمة، غالبا لا ينجح أمام القضاء الجنائي لأن الشيك يعتبر أداة وفاء فورية واجبة الأداء بمجرد الاطلاع، وتوقيعه يغني عن إثبات المعاملة الأصلية. وهو ما يستغله "مصاصو الدماء" من المرابين، ويتحولون إلى ضاغطين بفعل السلطة التي تمنحها لهم الشيكات بدون مؤونة، والتي تدفع المستهدف إلى الخضوع لمختلف أشكال الابتزاز، وضمنها إجباره على تفويت ممتلكاته. جريمة غسل الأموال هي الجريمة التابعة لجريمة أصلية مفترض ارتكابها، وهي من الجرائم الـ 24 التي حددها المشرع، في الفقرة الثانية من الفصل 574 الخاص بمكافحة غسل الأموال، وكان التوجه الذي كان سائدا هو تحريك المتابعات بشأن تبييض الأموال بعد الإدانة بإحدى الجرائم الأصلية والتي ضمنها الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية والنصب وغيرها من الجرائم المذكورة في الفصل ذاته على سبيل الحصر. لكن التجربة القضائية أكدت أن جريمة تبييض الأموال هي أيضا جريمة مستقلة، تتوفر عناصرها القانونية، سواء تم تحريك الدعوى العمومية في إحدى الجرائم الأربع والعشرين المحددة حصرا، أو لم يتم تحريكها، إذ لم تعد متوقفة على إدانة مرتكب الجريمة الأصلية. وضمن الجرائم الأصلية التي تستوجب تحريك المتابعة بجريمة غسل الأموال، جنحة النصب المنصوص عليها في الفصل 540 من القانون الجنائي، والشيء نفسه بالنسبة إلى جنحة خيانة الأمانة والاختلاس، وعموما الجرائم المرتكبة ضد الأموال. إذ أن النصابين يجنون أموالا كثيرة من وراء عمليات إيقاع الغير في الغلط، كما أنهم يعمدون إلى إخفاء هذه الأموال، إذ حتى في حال اعتقالهم فإن الضحايا من المطالبين بالحق المدني لا يجدون لديهم ما يحجز، وتضيع حقوقهم، فرغم الحصول على أحكام بتعويضات بالملايين يتيه المطالب بالحق المدني ولا يجد سبيلا لتنفيذ حكمه والحصول على الأموال. وغالبا ما يعمد النصابون إلى إخفاء الأموال ونقلها إلى أشخاص آخرين من أقربائهم، وهو ما يتعذر معه الوصول إليها. إستراتيجية وطنية مستدامة تهتم رئاسة النيابة العامة بموضوع مكافحة غسل الأموال، وتوليه أهمية كبرى بالنظر إلى التحديات المتزايدة التي تواجه المملكة أمام تطور أساليب الجريمة المالية. وأبرز هشام بلاوي، رئيس النيابة العامة والوكيل العام لدى محكمة النقض، في افتتاح السنة القضائية في يناير الماضي، أن 2025 عرفت تسجيل 839 قضية على مستوى المحاكم الابتدائية المختصة، مقابل 801 قضية خلال سنة 2024، ما يعكس تطورا في وتيرة تتبع هذا النوع من الجرائم ونجاعة الآليات المعتمدة في مكافحتها. وفي السياق نفسه سبق للمسؤول القضائي نفسه أن أشار إلى أن السياسة الجنائية في مجال مكافحة غسل الأموال تقوم على مبدأي الاستمرارية والاستدامة، وفق نهج يروم الملاءمة مع المعايير والتوصيات الدولية ذات الصلة، انطلاقا من القناعة الراسخة بأن هذه العملية ليست ظرفية مرتبطة بتنزيل خطة عمل أو تنفيذ توصيات معينة، بل هي إستراتيجية وطنية مستدامة تقتضي تحصين المكتسبات وتطوير آليات ومناهج العمل بشكل مستمر لمواجهة التحديات المستجدة، وفق مقاربة تشاركية مع كافة المؤسسات والهيآت الوطنية المعنية. وأكد بلاوي، في افتتاح أشغال الورشة الإقليمية المنظمة حول موضوع "تتبع وحجز ومصادرة الأصول الإجرامية"، أن تنظيم هذه الورشة يعكس الاهتمام المتزايد الذي يحظى به موضوع تتبع وتجميد وحجز الأصول الإجرامية ومصادرتها واستردادها، كما يعبر عن الالتزام المشترك من أجل مكافحة الجريمة المنظمة بكافة أشكالها وتعزيز قيم النزاهة والشفافية بالموازاة مع تنامي ارتفاع عائدات غسل الأموال، على اعتبار أن الجريمة المنظمة والعابرة للحدود لم تعد تقتصر على الجريمة العادية والبسيطة، بل تمتد إلى شبكات معقدة تستثمر الأموال غير المشروعة في اقتصاديات الدول، بما يهدد الأمن المالي والاستقرار الاجتماعي، إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن حجم الأموال المتحصلة من جريمة غسل الأموال تتجاوز في بعض الأحيان 2 تريليون دولار سنويا، أي ما يعادل 2 إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.