دين ودنيا عبد الواحد كنفاوي تتجه بوصلة الملايين من المسلمين نحو مكة المكرمة والمدينة المنورة، مع اقتراب رمضان، ويتحول بحث هؤلاء عن السكينة والتقرب إلى الله، إلى محرك ينعش عجلة اقتصادية ضخمة تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصنع ما يمكن توصيفه بالرواج الرمضاني الكبير. إن هذا الإقبال المنقطع النظير يضع السياحة الدينية في قلب المشهد الاقتصادي العالمي، محولا الشعائر الدينية إلى قاطرة نمو حيوية لقطاعات الأسفار، والإقامة والطعامة والخدمات بشكل عام. وتعتبر عمرة رمضان موسم الذروة بامتياز، إذ رغم ارتفاع التكاليف وتحديات الازدحام، يظل الطلب غير مرن، إذ يوظف المعتمرون مدخراتهم، طيلة السنة، لحجز ليالي العشر الأواخر في الحرم. هذا الشغف يضمن تدفقا نقديا مستداما للشركات العاملة في القطاع، بعيدا عن تقلبات السياحة الترفيهية الموسمية. ولا تتوقف انعكاسات العمرة عند حدود المملكة العربية السعودية، بل تمتد لتنعش اقتصادات الدول المصدرة للمعتمرين، من خلال قطاع الطيران والنقل، إذ تشهد شركات الطيران الوطنية والدولية ذروة تشغيلية، مع امتلاء الحجوزات قبل أشهر من رمضان، ما يساهم في رفع أرباح الشركات وتغطية خسائر فترات الركود. كما أصبحت العمرة تمثل لقمة العيش والمورد الأساسي لآلاف وكالات الأسفار، حيث تنشط الدورة المالية من خلال العروض الشاملة، التي تتضمن التأشيرات والتأمين والسكن. وتصل نسبة ملء 100 بالمائة في الفنادق بمختلف تصنيفاتها في مكة والمدينة، ما يحفز الاستثمار العقاري الضخم وتطوير البنية التحتية الفندقية الفاخرة والاقتصادية على حد سواء. وأصبحت السياحة الدينية أكثر أنواع السياحة صمودا في وجه الأزمات الاقتصادية، فالمعتمر لا ينظر إلى الرحلة باعتبارها رفاهية يمكن تأجيلها، بل ضرورة وحاجة دينية ويوفر موسم العمرة مئات الآلاف من الوظائف الموسمية والدائمة في مجالات الإرشاد والترجمة والتموين والخدمات اللوجستية. كما تساهم هدايا العمرة، مثل التمور والسجاد والسبحات، وغيرها من الهدايا الأخرى، في رواج تجاري ضخم يستفيد منه صغار التجار والمقاولات المتوسطة في أسواق مكة والمدينة. لقد أصبحت السياحة الدينية في مضان تتطلب تخطيطا ماليا يبدأ قبل ستة أشهر على الأقل. ورغم التكاليف المتزايدة، يظل المحرك التعبدي أقوى من أي معادلة إكراهات، إذ تستمر الطائرات في الإقلاع كاملة العدد. وبعد أن كانت العمرة تقتصر على الشيوخ الذين لم يسعفهم الحظ في الظفر بقرعة الحج، والأشخاص من سن معينة وفئات اجتماعية بعينها، أصبحت تحظى حاليا بإقبال من قبل الجميع، بمن فيهم الأطفال، إذ أن هناك أسرا بأكملها تقرر قضاء رمضان أو بعض المناسبات الدينية بالديار السعودية. وتحولت عمرة رمضان، أيضا، إلى وجه من أوجه التباهي بين رجال الأعمال، الذين يتنافسون في ما بينهم على الاعتمادات التي يخصصونها لقضاء هذه الشعيرة الدينية، التي تظل تطوعية، بأبهى وأجود الخدمات. وهكذا أصبحت هذه المناسك الدينية تمثل مصدرا مهما للدخل بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، وتجمع بين الدين والدنيا.