تمويل معتمرين لنقل سلع معدة للبيع وتدقيق ضريبي في ملفات تكرار التنقلات انتقل أداء مناسك العمرة، خلال السنوات الأخيرة، من رحلة روحانية يغلب عليها طابع الزهد وتزكية النفس، إلى مناسبة تجارية يستغلها بعض المعتمرين لجلب سلع مرتفعة القيمة، وعرضها للبيع بالأسواق المحلية لتحقيق أرباح سريعة خارج القنوات القانونية المعتادة، مستفيدين من الطابع الديني للرحلة لتفادي إثارة الشبهات، ما جعل دائرة هذا النشاط تتسع إلى حد لفت انتباه جهات المراقبة المالية. وبحسب عدد من المتتبعين للشأن الديني بجهة الشمال، لم يعد الأمر يقتصر على أداء عمرة واحدة في السنة، بل يتكرر لدى بعض الأشخاص ثلاث وأربع مرات سنويا، في وتيرة تتجاوز الدافع التعبدي، إذ مع توالي هذه الرحلات، لم يعد الأمر يتعلق بمقاصد روحية قائمة على التقرب إلى الله، بل بنشاط تجاري منظم يعتمد على الاستمرارية وتعدد العمليات. وأبرزت المصادر ذاتها، أن هذا النشاط لا يقتصر على مبادرات فردية معزولة، إذ يعمد بعض المعتمرين إلى تمويل تذاكر السفر والإقامة والتأشيرات لفائدة أشخاص مقابل تكفلهم بحمل حقائب تضم بضائع ومشتريات عند العودة. وهذا الأسلوب يتيح إدخال كميات أكبر من السلع المرتفعة القيمة بكلفة أقل ويحول الرحلة الدينية إلى حلقة ضمن نشاط تجاري غير معلن. وفي السياق ذاته، قال تاجر بقيسارية "عين قطيوط" بطنجة، إن السلع التي تجلب عبر المعتمرين لم تعد تقتصر على الألبسة الإسلامية التقليدية، بل تشمل أثوابا رفيعة وعطورا ذات جودة عالية وحليا وأزياء إسلامية راقية، من عبايات مطرزة وحجابات عصرية وحتى لباس السباحة للمحتجبات المعروف بـ"البوركيني"، إضافة إلى مقتنيات تحمل علامات تجارية معروفة، ويتم بيعها بالأسواق المحلية المشهورة بأسعار تنافسية تجذب الزبناء. وأوضح التاجر، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن الإشكال لا يتعلق بطبيعة السلع في حد ذاتها، بل بطريقة إدخالها، مؤكدا أن عددا من هذه المقتنيات تدخل دون الخضوع لنفس المساطر والرسوم التي يؤديها التجار المصرحون بأنشطتهم، ما يخلق، حسب تعبيره، "منافسة غير متكافئة تضر بالتجار الذين يلتزمون بالإجراءات القانونية"، معتبرا أن بعض الحالات "تقترب من الاستيراد الاحتيالي تحت غطاء الرحلات الدينية". من جهة أخرى، كشف مصدر بمصلحة الضرائب لـ"الصباح" أن مصالح المراقبة كثفت، في الآونة الأخيرة، عمليات التدقيق في ملفات أشخاص تكرر سفرهم لأداء مناسك العمرة، بعد أبحاث رصدت تحويلات مالية اعتبرت غير منسجمة مع طبيعة أنشطتهم المصرح بها. وأوضح المصدر أن عددا من هذه الحالات أفضى إلى مراجعات ضريبية وإجراءات تحصيل لفائدة الخزينة، في إطار تتبع شبهات تملص أو غش مرتبط بتحويل أموال أو إدخال سلع دون التصريح بها وفق المساطر المعمول بها. وبين الطابع الديني للرحلة والأنشطة التجارية التي التصقت بها، يظل الرهان مطروحا على ضبط هذه الممارسات وفق القانون، بما يحفظ قدسية الشعيرة من جهة، ويضمن تكافؤ الفرص داخل السوق، من جهة أخرى. م. ر (طنجة)